قال تعالى.. “وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ” (سورة المدثر، الآية 45) ..
هي جزء من حوار يجري يوم القيامة بين أهل الجنة وأهل النار، حيث يسأل أهل الجنة المجرمين عن سبب دخولهم سقر (جهنم): ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ﴾.
فالآية نزلت في الكفار ووصفت حالهم في الدنيا، لكنها تحمل تحذيراً شديداً للمسلمين من التشبّه بهم.
فالخوض مع الخائضين مجالس السوء ،سواء كان بالطعن في الدين أو بالوقوع في أعراض الناس وظلمهم بالكلام هو من كبائر الذنوب التي تؤدي بصاحبها إلى الهلاك.
وهو الكلام فيما لا يحل: مثل الاستهزاء بالدين، أو التحدث بالمعاصي والتفاخر بها.
وتناول أعراض المسلمين، من الدخول في الغيبة، والنميمة، وقذف المحصنات، ونشر الشائعات.
فـ لا شيء أهم من أن يعيش الإنسان في مجتمعه آمنًا على نفسه وماله وعرضه، ذلك لأن الإنسان شخصٌ وشخصية.
وإذا كانت سلامته الجسمية والمالية هي قوام شخصه ووجوده المادي، فإن سلامته المعنوية وحفظ سمعته هي قوام شخصيته المعنوية والاجتماعية.
فـ الإسلام بقدر ما يشدد على حرمة الإنسان فيما يرتبط بجسمه وماله فإنه أكثر تشددًا بالنسبة لما يرتبط بحرمة مكانته وجاهه وسمعته ..
فكل نفس بما كسبت من أعمال الشر والسوء محبوسة مرهونة بكسبها، لا تُفَك حتى تؤدي ما عليها من الحقوق والعقوبات، إلا المسلمين المخلصين أصحاب اليمين الذين فكُّوا رقابهم بالطاعة، هم في جنات لا يُدْرَك وصفها، يسأل بعضهم بعضًا عن الكافرين الذين أجرموا في حق أنفسهم: ما الذي أدخلكم جهنم، وجعلكم تذوقون سعيرها؟ قال المجرمون: لم نكن من المصلِّين في الدنيا، ولم نكن نتصدق ونحسن للفقراء والمساكين، وكنا نتحدث بالباطل مع أهل الغَواية والضلالة، وكنا نكذب بيوم الحساب والجزاء، حتى جاءنا الموت، ونحن في تلك الضلالات والمنكرات.
والخوض لغةً: أصله الدخول في الماء والخوض فيه، ثم استُعمل مجازاً في الشروع والدخول في الباطل، والكلام فيما لا يرضي الله أو فيما لا يعلم الإنسان.
و”الخائضين”: هم أهل الباطل، والضلال، والغواية، والذين يخوضون في الاستهزاء بالدين أو بالحق.
والتفسير العام للآية .. أن الإنسان يُحاسب على كلمته وجلوسه، وأن “الصاحب ساحب”، فالانغماس مع أهل السوء في استهزائهم وحديثهم الباطل يجرّ صاحبه إلى الهلاك يوم القيامة.
والشروع فيما لا ينيغي من القول والفعل، كأحوال الفسقة للالتذاذ، أو الاستهزاء، أو الكلام بلا مبالاة بالباطل.
وفي البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفّر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» رواه الترمذي.
يقول ابن القيم: قولها: «إنما نحن بك» أي نجاتنا بك، وهلاكنا بك، ولهذا قالت «فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا».
قال الغزالي مبينًا : إن نطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان، فاللسان أشد الأعضاء جماحًا وطغيانًا، وأكثرها فسادًا وعدوانًا.
قال ابن حبان: اللسان إذا صلح تبين ذلك على الأعضاء، وإذا فسد كذلك.
وفي البخاري قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفّر اللسان، تقول: اتق الله فينا، فإنما نحن بك، فإن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» رواه الترمذي.
الدروس المستفادة والتحذير من الآية
الآية تحذر من :
– مجاراة أهل الباطل:
أي الجلوس مع من يستهزئون بالدين أو يتكلمون بالمعاصي والباطل ومشاركتهم في حديثهم.
– الانسياق الأعمى:
الانجراف خلف “الترندات” أو الشائعات أو موجات الضلال والنعق خلف كل ناعق دون تمحيص أو علم.
– تأثير البيئة الفاسدة:
غياب الحصانة الإيمانية والعلمية يجعل الشخص ينجرف مع التيارات الفاسدة حتى يوردوه.. أي يكون من المقربين منهم…
اقرأ أيضا – نسائم الجمعة.. لماذا وصف الله ماء الرجل والمرأة بـ «مَهِين» في «ثم جعل نسله مِن سُلالة من ماء مَهِينٍ»




