توبمنوعات

نسائم الجمعة.. لماذا وصف الله ماء الرجل والمرأة بـ «مَهِين» في «ثم جعل نسله مِن سُلالة من ماء مَهِينٍ»

قال تعالى: فى سورة السجدة “الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ” سورة “السجدة”…

هذه الآية الكريمة من سورة السجدة ( ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ) (الآية 8)، فيها بيان لأصل خلق بشرية بني آدم بعد خلق أبيهم آدم عليه السلام.

ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ: أي جعل ذرية آدم وتناسله.

مِنْ سُلَالَةٍ: السلالة هي الشيء الذي يُسلّ ويُستخرج برفق من بين أشياء أخرى، وهي هنا صفو الماء وخلاصته (المني).

مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ: الماء المَهِين هو النطفة الضعيفة والحقيرة في شأنها (مني الرجل والمرأة).

فـ الله سبحانه وتعالى يخبرنا أنه بعد أن بدأ خلق آدم عليه السلام من طين، جعل نسله وذريته يأتون من خلاصة مستلة من ماء ضعيف وحقير في نظرة البشر، وذلك للتواضع وكسر الكبر والعجب بالنفس، وللدلالة على قدرة الله العظيمة في تحويل هذه النطفة الضعيفة إلى بشر سويّ مزود بالسمع والبصر والفؤاد.

فقد خلقنا الله سبحانه وتعالى فى صورة حسنة، وأعطانا الكثير من العقل والتأمل والبصيرة، ولكنه أخبرنا عن أًصلنا، فى سورة السجدة “الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ، وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ، ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِّن مَّاء مَّهِينٍ” والطين نعرفه، والماء المهين هو نطفة الرجل والمرأة.

وكلمة “المهين” تدل على تقليل واستهانة، حيث يقول المفسرون فى معناها “مِّن مَّاءٍ مَّهِينٍ” أى: ممتهن لا يُهتم بشأنه، ولا يُعتنى به.

وهذا ليس تقليلا ولا احتقارا للإنسان، لكنه دعوة للتذكر دائمًا، حتى لا تأخذنا الظنون فنتعالى على الخلق، نحن جئنا من شيء لا يُذكر.

والدين الإسلامى يتعامل مع هذا الشيء “ماء الرجل وماء المرأة” بأنه أمر يستوجب الاغتسال والطهارة منه قبل الصلاة والوقوف بين يدى الله.

وهذا لا ينفى أن الله، سبحانه، قد فضلنا بقدرتنا على استخدام العقل وتطوير وبناء مجتمعاتنا على كثير من المخلوقات، وعقولنا تخوننا أحيانا، وتجعلنا نغتر بما نحن فيه، وننسى أصلنا ومآلنا أيضًا.

وبيَّن الشيخ محمد متولي الشعراوي في خواطره عن سورة السجدة، أساس خلقة الإنسان، موضحا معنى ماء مهين في الآية الكريمة.

و قال فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي: النسل هو الأنجال والذرية، والسلالة: خلاصة الشيء تُسلُّ منه كما يُسلُّ السيف من غمده، فالسلالة هي أجود ما في الشيء، ولذلك نقول: فلان من سلالة كذا، وفلان سليل المجد، يعني: في مقام المدح، حتى في الخيل يحتفظون لها بسلالات معروفة أصيلة ويُسجلون لها شهادات ميلاد تثبت أصالة سلالتها.

ويقول الشيخ الشعراوي: هذا النسل وهذه السلالة خلقها الله من ماء، وهو منيٌّ الرجل وبويضة المرأة، هذا الماء وصفه الله بأنه {مَّهِينٍ} [السجدة: 8].

لماذا هو مَهين؟

لأنه يجري في مجرى البول، ويذهب مذهبه إذا لم يصل إلى الرحم، وفي هذا الماء المهين عجائب، ويرحم الله العقاد حين قال: إن أصول ذرات العالم كله يمكن أن تُوضع في نصف كستبان الخياطة….

وا لكستبان (أو الكُشْتُبَان): هو قُمع معدني أو بلاستيكي صغير يرتديه الخياط لحماية إصبعه من وخز الإبر أثناء الخياطة.

وقال الشعراوي : تأمل كم يقذف الرجل في المرة الواحدة من هذا المقدار؟

إذن: المسألة دقة تكوين وعظمة خالق، ففي هذه الذرة البسيطة خصائص إنسان كامل، فهي تحمل: لونه، وجنسه، وصفاته، إلخ، وسبق أن قلنا في عالم الذر: إن في كل منا ذرة وجزيئًا حيًا من لَدُنْ أبيه آدم عليه السلام.

ويشير الشيخ الشعراوي إلى أن هذا الماء المهين -على حقارته في الظاهر- يحتوي على عجائب دقيقة وقدرة إلهية هائلة، تحمل في هذه النطفة الصغيرة صفات الإنسان كاملة (من لونه، وجنسه، وملامحه، وصفاته).

طلاقة القدرة الإلهية:

ويكشف الشيخ الشعراوي عن أن الله سبحانه بدأ خلق الإنسان الأول (آدم) بلا أب ولا أم (من طين)، ثم خلق حواء من ضلع آدم بلا أم، ثم خلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، وجعل التناسل البشري بعد ذلك يتم بالزوجية من هذا الماء المهين، ليؤكد للبشر أن الخلق كله خاضع لطلاقة قدرته وإرادته وحدها.

– اللمسة البلاغية والتربوية للآية… (أجمل المعاني المستفادة)

  1. كسر الكبرياء والتعالي:

تُذكر الآية الإنسان بأصله المتواضع لكيلا يتكبر أو يتجبر في الأرض؛ فالذي بدأ من “ماء مهين” لا يليق به الغرور، بل يكتسب قيمته ورفعتة بطاعة الله واستخدام حواسه وعقله في الحق (السمع، الأبصار، الأفئدة).

  1. عظمة الخالق سبحانه:

من تمام قدرته وحكمته أن يُخرج من هذا الماء الضعيف المهين إنساناً متكامل الخلقة، عاقلاً، متكلمًا، قادراً على الإبداع والعمارة.

  1. التذكير بنعمة البداية والنهاية:

الآية ترتبط بما قبلها (بدأ خلق الإنسان من طين) لتعيد الإنسان إلى وعيه وحقيقته: ضعيف في مبدئه، فقير إلى خالقه في كل لحظة….

الشيخ محمد متولي الشعراوي في سطور:

ولد الشيخ الشعراوي بقرية دقادوس، مركز ميت غمر بمحافظة الدقهلية بجمهورية مصر العربية، في 15 أبريل عام 1911م.

وأتم حفظ القرآن الكريم في الحادية عشرة من عمره، وحصل على الشهادة الابتدائية الأزهرية عام 1923م.

ودخل المعهد الثانوي الأزهري، وزاد اهتمامه بالشعر والأدب، وحظى بمكانة خاصة بين زملائه، فاختاروه رئيسًا لاتحاد الطلبة، ورئيسًا لجمعية الأدباء بالزقازيق.

مؤلفاته

وقد حفظ الشيخ الشعراوي علمه وكتب له البقاء لعديد الأجيال في عدة مؤلفات علمية منها: “معجزة القرآن – الأدلة المادية على وجود الله – أنت تسأل والإسلام يجيب – الإسلام والفكر المعاصر – قضايا العصر – أسئلة حرجة وأجوبة صريحة”.

وبعد عمر مديد في رحاب الدعوة الإسلامية المستنيرة والسمحة، وفي خدمة الإسلام والمسلمين، توفي الشيخ الشعراوي عن عمر يناهز السابعة والثمانين، في 22 صفر 1419هـ، الموافق 17 يونيو 1998م.

 اقرأ أيضا– نسائم الجمعة.. مالحكمة من تكرار آية «فبأي آلاء ربكما تكذبان» في سورة الرحمن

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى