الإعلامي حمدي رزق يكتب: رأس بدراوي الطائر
لم يزعجنى البتة حديث الدكتور «حسام بدراوى»، ولم تقلقنى ردود الأفعال الإلكترونية التى تفاعلت مع الحوار سلبًا وإيجابًا، ونال بعضها من شخص الدكتور بدراوى، وأيضا من محاوره الصديق (أحمد موسى) على قناة (صدى البلد).
دعك من تقييم مستوى الحوار، هدا ما يخص صناع المحتوى، المهم فكرة انضاج الحوار العام، واستزراع فكرة الرأى والرأى الآخر. من يضيقون بصراحة الدكتور بدراوى لم يفهموا رسالة الرئيس السيسى بفتح المجال العام للرأى والرأى الآخر، ومن يحاسبون الدكتور بدراوى على ماضيه السياسى، كونه كان أمينًا عامًا للحزب الوطنى قبل أحداث 25 يناير، يصح فيهم القول، من كان منكم بلا خطيئة سياسية فليرمه أولًا بحجر يفتح قرنه.
أريحية السلطة فى تعاطيها مع مثل هذه الحوارات، وتشجيعها، ويقينًا الاستماع إليها والاستفادة منها، بل والتعقيب ما أمكن عليها، نموذج ومثال حوارات (منتدى مصر) وكذا مداولات (الحوار الوطنى)، يقاس عليها ويقارن بها ويعول على مخرجاتها فى تأسيس منهج وطنى للحوار العام البناء الذى يستبطن مقاصد الوطن العليا.
أريحية السلطة فى قمتها يقابلها عنت وضيق من كثير من المحترمين، ما يُخشى منه (الحجر الشعبوى) على الرأى، وقمع المخالفين، واستهدافهم، وصلبهم على الحوائط الإلكترونية، وسلقهم بألسنة حداد.
ما بعد حوار بدراوى، شهدنا حملات ترهيب إلكترونية مخيفة، تلجم أصحاب الرأى، وتخرسهم، بدراوى بات رأس الذئب الطائر وهى حكاية رمزية تستخدم كمثل للحذر من مكمن الخطر، البعض يخشى مما لقيه بدراوى فيبتلع لسانه ويتلفع برداء الصمت الثقيل.
بدراوى مع حفظ الألقاب لم يأت بجديد على الأسماع، احترام الدستور قال به الرئيس السيسى وتعهد بانتهاء عهدته فى 2030 م، صحيح الدستور ليس قرآنًا فى لوح محفوظ، الدستور عمل بشرى جرى عليه تعديلًا، وليس محصنًا ضد التعديل والتغيير، وحدث كما يرى أحمد موسى.. ولكن هناك تعهد رئاسى باحترام الدستور نعض عليه بالنواجذ، فلم المماحكة فيما هو مقرر سلفًا من أعلى سلطة فى البلاد.
فكرة يا بتاع مبارك، يا عضو أمانة السياسات، فاكر ولا أفكرك يا أمين الحزب المنحل، جميعها مؤاخذات تدخل فى باب الملاسنات التى لا تستقيم شكلًا وموضوعًا مع فضيلة الحوار الصحى الذى نرجوه ونتمناه بين الفرقاء.
تمكين كل صاحب رأى من قوله وبأريحية وسماحة سياسية، والتفاعل إيجابًا معه حتى لو بالرفض المهذب (كما فعل أحمد موسى) فى حوار مجتمعى صحى، ينضج الأفكار، الأفكار تتلاقح لإنتاج الثمار، لا تتطاحن فتجهض الأفكار، وكم أجهضت أفكار ولم تر النور بفعل الترهيب المجتمعى الذى بات طقسًا متقلبًا، تهب منه رياح السموم تخنق الأفكار فى الصدور.
أخشى أن أقول هل من مزيد من هذه الحوارات السياسية التى لا تنقصها الصراحة المغلفة بالكياسة، حتى لا أتهم ببعض ما أتهم به الدكتور بدراوى، والمتربصون فى الدغل الإلكترونى كثر، ولكن تحريك مياه بحيرة السياسة المصرية الآسنة يحتاج عشرات من هذه الحوارات التى تحرث الأرض لإنبات الأفكار.
القول المخاتل إن بدراوى أفكاره قديمة، ولم يأت بجديد على الأسماع، الأفكار لا تنتهى صلاحيتها (جون كينيدى)، وإذا لم يك لحوار بدراوى فائدة يكفيه حثّ المجتمع على التفكير، والفيلسوف الإنجليزى (جون لوك) يقول: «العقل يُزوّد بالأفكار عن طريق التجربة وحدها». وتجربة حوار بدراوى مع موسى معتبرة ومقدرة، وخليقة بالتكرار، والتكرار يعلم الشطار، حتى يصير الحوار منهجًا بكل الاعتبار.




