هشام الهلوتي يكتب لـ «30 يوم»: شم النسيم شاهد على عظمة المصريين
ليس من السهل أن تجد عيدا يصمد أمام الزمن لآلاف السنين، محتفظًا بروحه وطقوسه، كما هو الحال مع شم النسيم.
هذا العيد الذى خرج من رحم الحضارة المصرية القديمة، ليواصل رحلته عبر ٤٧٠٠ عاما حتى يومنا هذا، وكأن المصريين اتفقوا عبر التاريخ على موعد سنوى للاحتفال بالحياة.
شم النسيم ليس مجرد يوم إجازة، ولا مناسبة عابرة، بل هو حالة خاصة بالمصريين فقط دون شعوب العالم وشاهدة على عظمتهم،عيدا يتصالح فيه الإنسان مع نفسه ومع الطبيعة من حوله.
وربما لهذا السبب يحرص كثير من المصريين، مهما اختلفت ظروفهم، على الخروج إلى الحدائق والمتنزهات، وكأنهم يعودون بشكل غريزى إلى أصل الحكاية، إلى تلك اللحظة الأولى التى قرر فيها أجدادهم أن الربيع يستحق الاحتفال به.
الغريب -أو ربما المدهش- أن تفاصيل هذا العيد لم تتغير كثيرًا. نفس الطقوس، نفس البساطة، ونفس الأطعمة التى تحمل فى طياتها حكايات أقدم من التاريخ المكتوب. الفسيخ، رغم الجدل حوله كل عام، ورغم ارتفاع سعره الذى تجاوز خمسمائة جنيه يظل حاضرا كعادة مصرية لا تقبل الغياب، وان كانت الرنجة دخلت كمنافس قوى أرخص من الفسيخ والتى يتراوح سعر الكيلو منها بين ١٥٠ و٢٠٠ جنيها.
البصل الأخضر، أيضا أحد مفردات الاحتفال بشم النسيم وكان المصريون القدماء يعتقدون أنه يطرد الأرواح الشريرة، بينما هو من الناحية العلمية يعمل كمضاد حيوى طبيعى لتعزيز المناعة، ويساعد فى هضم الأسماك المملحة وتخفيف حدة ملوحتها.
أما الخس، و الملانا أو «نبات الحمص الأخضر» فقد كانا فى زمن الفراعنة يرمزان للخير والنماء.
ثم يأتى البيض الملون، كرمز للخصوبة وتجدد الحياة وكأن المصرى القديم أراد أن يقول إن كل ربيع هو فرصة أخرى للبدء من جديد.
لكن أهم ما يميز شم النسيم حقا، ليس فقط قدمه أو طقوسه الفريدة بل تلك الروح الجميلة التى تجمع المصريين جميعا، مسلمين ومسيحيين.
ففى هذا اليوم تختفى الفوارق، وتتراجع الهموم ويتزاور الأقارب ويلتفون حول مائدة الفسيخ والرنجة وربما يشاهدون فيلما أو مسرحية ويستمعون لأغنية الدنيا ربيع للسندريلا سعاد حسنى، ويتوق كبار السن مثلى إلى سماع أغنية «الربيع» لفريد الأطرش ومشاهدة فيلم «ورد الغرام» لمحمد فوزى وليلى مراد وسليمان نجيب وسراج منير، وهى من الأعمال الفنية التى ارتبطت على مدى أكثر من خمسين عاما بشم النسيم.
باختصار شم النسيم لم يكن يوما احتفالًا رسميا، بل كان دائمًا احتفالًا إنسانيا،ومناسبة مصرية خالصة لم تفرضها سلطة، ولم تحكمها قواعد، بل حفظها الناس فى قلوبهم، وتوارثوها كما تتوارث العائلات ذكرياتها الجميلة.
واعتقد أن شم النسيم سيظل دائما رسالة من المصريين العالم تؤكد إن الحياة، مهما أثقلتها الهموم تستحق أن نحتفل بها.
اقرأ أيضا
هشام الهلوتي يكتب لـ «30 يوم»: صرخة أصحاب المعاش



