كتب- محمد عطية
اكتشف باحثون سائلا يُطلى مباشرة على الأسنان يمكنه إيقاف تطور التسوس لدى الأطفال، دون الحاجة إلى الحفر أو حقن التخدير أو اللجوء إلى التهدئة، ما يفتح الباب أمام بديل أبسط لبعض الإجراءات التقليدية التي قد تسبب الخوف والانزعاج، خصوصًا لدى صغار السن.
ويعتبر هذا الاكتشاف خطوة قد تغير طريقة التعامل مع تسوس الأسنان.
وجاءت النتائج ضمن تجربة سريرية واسعة قادها باحثون من جامعة ميشيجان الأمريكية، وشملت 830 طفلًا تتراوح أعمارهم بين عام واحد وستة أعوام، ونُشرت الدراسة في مجلة «JAMA Pediatrics» .
كيف يعمل السائل على إيقاف التسوس؟
يعتمد العلاج على مادة تُعرف باسم فلوريد الفضة ثنائي الأمين (Silver Diamine Fluoride – SDF)، وهي محلول يُطبّق مباشرة على الجزء المصاب من السن باستخدام أداة صغيرة ذات رأس إسفنجي، ولا تستغرق عملية وضعه سوى ثوانٍ لكل سن.
وعلى خلاف الحشوات التقليدية، التي تتطلب عادة إزالة الأجزاء المتضررة من السن وتجهيز التجويف لملئه، يستهدف هذا المحلول إيقاف تقدم التسوس والحد من تفاقم الضرر، دون الحاجة إلى الحفر في الحالات المناسبة.
وتعمل المادة من خلال تأثيرين رئيسيين؛ إذ تساعد الفضة على مكافحة البكتيريا المرتبطة بتسوس الأسنان، بينما يسهم الفلورايد في دعم المعادن المكوّنة للأسنان ومقاومة استمرار تدهورها.
لكن العلاج لا يعيد بناء الأجزاء المفقودة من “السن”، بل يهدف إلى إيقاف تطور التسوس في المنطقة المصابة، ولذلك لا يعني نجاحه الاستغناء عن جميع إجراءات ترميم الأسنان أو المتابعة لدى طبيب الأسنان.
واختبر الباحثون محلول فلوريد الفضة ثنائي الأمين بتركيز 38%، وقارنوا نتائجه بمحلول وهمي لا يحتوي على المادة الفعالة، ضمن تجربة سريرية من المرحلة الثالثة شملت أطفالًا يعانون تسوسًا شديدًا في الأسنان اللبنية.
وُزّع المشاركون عشوائيًا بين مجموعتي العلاج والمقارنة، مع تطبيق المحلول في بداية الدراسة ثم تكرار الإجراء بعد ستة أشهر، وإجراء فحوص للأسنان عند بداية التجربة وبعد ثلاثة وستة وثمانية أشهر.
المحلول وحده لايكفي
وأظهرت النتائج أن المحلول نجح في إيقاف التسوس لدى 57.5% من المناطق المصابة بعد ثلاثة أشهر، و54% بعد ستة أشهر، و50.2% بعد ثمانية أشهر، وفق تحليل شمل جميع المشاركين بحسب المجموعات التي وُزّعوا إليها في بداية التجربة.
وبلغت النسب في المجموعة التي تلقت المحلول الوهمي 18.8% بعد ثلاثة أشهر، و22.5% بعد ستة أشهر، و17.4% بعد ثمانية أشهر.
وتشير هذه النتائج إلى أن العلاج كان أكثر فاعلية بوضوح من المحلول الوهمي، لكنه لم ينجح في إيقاف التسوس لدى جميع الحالات؛ إذ استمرت بعض المناطق المصابة في التدهور، ما يؤكد أهمية الفحوص والمتابعة وعدم الاعتماد على المحلول وحده.
على الرغم من سهولة تطبيق العلاج، فإنه يحمل عيبا تجميليا مهما، يتمثل في تحوّل الجزء المصاب بالتسوس إلى اللون الأسود بصورة دائمة بعد المعالجة.
ويظهر هذا التغيّر في لون المنطقة المتضررة، وقد يكون ملحوظا بصورة أكبر عند إصابة الأسنان الأمامية، الأمر الذي قد يؤثر في قرار المريض أو أسرته اختيار هذا العلاج.
ومع ذلك، قد يرى بعض المرضى أن تجنب الحفر والتخدير والإجراءات الأكثر تعقيدا يستحق قبول هذا الأثر التجميلي، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالأطفال الصغار الذين يواجهون صعوبة في البقاء ثابتين خلال جلسات علاج الأسنان.
وأشارت الدراسة إلى أن الآثار الجانبية المسجلة كانت متقاربة بين مجموعتي العلاج والمقارنة، وكان معظمها خفيفًا إلى متوسط الشدة.
لكن الباحثين أكدوا ضرورة مراقبة الحالات التي لا يتوقف فيها التسوس، لأن العلاج لا يضمن منع الألم أو المضاعفات في جميع الحالات.
لا يُعد فلوريد الفضة ثنائي الأمين بديلًا شاملًا لجميع علاجات تسوس الأسنان، لكنه قد يوفر خيارا غير جراحي لبعض الحالات، لا سيما الأطفال الصغار والمرضى الذين يعانون الخوف الشديد من علاج الأسنان، أو الأشخاص الذين يصعب عليهم الحصول على الرعاية التقليدية.
وقد يساعد استخدامه على إيقاف التسوس في مرحلة مبكرة من التعامل مع المشكلة، بما يقلل احتمال تطورها إلى ألم شديد أو عدوى أو الحاجة إلى تدخلات أكثر تعقيدًا.
ويمكن أن يكون خيارًا مؤقتًا أيضًا إلى حين إجراء الحشوة أو الترميم المناسب، بحسب تقييم الطبيب.
ويرى الباحثون أن سهولة تطبيق المحلول قد تتيح توسيع نطاق الاستفادة منه، بما في ذلك تدريب بعض العاملين في الرعاية الصحية للأطفال على التعرف إلى حالات التسوس المناسبة للعلاج، وإحالة الحالات الأخرى إلى أطباء الأسنان.
وتزداد أهمية هذا الاحتمال لأن تسوس الأسنان من المشكلات الصحية المزمنة الشائعة لدى الأطفال؛ إذ تشير البيانات الأمريكية إلى أن أكثر من 40% من الأطفال يتأثرون به.
استخدم أطباء الأسنان فلوريد الفضة ثنائي الأمين منذ سنوات في دول عديدة، لكن الدراسة الجديدة توفر بيانات سريرية واسعة من أطفال في الولايات المتحدة لدعم تقييم استخدامه لإيقاف التسوس لدى هذه الفئة.
وفي الولايات المتحدة، حصلت المادة على موافقة إدارة الغذاء والدواء الأمريكية عام 2014 لاستخدامها في علاج حساسية الأسنان، بينما ظل استخدامها لإيقاف التسوس خارج نطاق الاستطباب المعتمد للمنتج.
وتهدف نتائج التجربة إلى دعم طلب اعتماد المادة لهذا الاستخدام، بما قد يسهم في توسيع إتاحتها أمام المرضى ومقدمي الرعاية الصحية إذا استكملت الإجراءات التنظيمية اللازمة.
وهذا العلاج قد يقدم خيارًا إضافيًا للتعامل مع تسوس الأسنان، سائل يُوضع خلال ثوانٍ، وقد يساعد على إيقاف تقدم التسوس دون حفر السن، مع ضرورة الموازنة بين فوائده وعيبه التجميلي ومتابعة النتائج لدى طبيب الأسنان.




