توبكُتّاب وآراء

محمد شكر يكتب لـ «30 يوم»: من العتبة إلى الخرطوم.. رصاصات الذهب وصراع فرض النفوذ في القرن الأفريقي 3

من العتبة إلى الخرطوم، لم تكن أبداً المسافة المقدرة بنحو ألفي كيلو متر على الخريطة، بل كانت أمتاراً تفصل بين مبنى الهيئة القومية للبريد التاريخي، باعتباره النقطة صفر لقياس قرب المدن والأقطار عن القاهرة، وبين البناية المقابلة على الطرف الثاني من الميدان، والتي تعلوها لافتة متهالكة باسم فندق أبو الهول، هنا عرفت المسافة بين القاهرة والخرطوم بمنظار العتبة التجاري والإنساني والثقافي، وهي المسافة التي لم تعد نفسها في سنوات النزوح الصعبة، ليتلقى حاملي جسور العتبة إلى الخرطوم دفقات الرصاص في صدورهم، فقط لتبعد المسافة أكثر تحت ذريعة الثأر، رغم أن دولة حامية لحدود البلدين منفردة، لم يكن لها أن تقبل بانتهاك حدودها الجنوبية ونهب ثرواتها من عصابات لا تنتمي للسودان بقدر انتمائها للصخور التي تحمل عروق الذهب.

هي قذيفة جديدة من الفوضى يطلقها السودان بزناد إثيوبي، ودعم وتمويل إسرائيلي وللأسف عربي لا يقتصر على الإمارة ويمتد غرباً وجنوبا، فإضافة إلى استعانة الدعم السريع بمرتزقة إثيوبيين وتشاديين بصورة أساسية، مع تجنيد الكثير من الأطفال في مناطق السيطرة من الغرب إلى الجنوب، وجذب المئات تلو المئات من مرتزقة مالي والصومال، والحصول على خدمات عصابات لاتينية مقابل تحويلات بملايين الدولارات دعماً لـ”حميدتي” من حلفاء أكثر طمعاً في ذهب السودان ومقدراته من التافهين الذين عبروا الحدود خلف عروق الذهب، وهو ما ينفي عنهم جميعا صفة المواطنة، في دولة تعاني هشاشة أمنية قاتلة، فمصر كما السودان ليست مجتمعا واحداً ولكنها تضم العديد من المجتمعات التي تتباين فيها العادات وتختلف التقاليد، ولكن لا أحد منها يختلف على كونه مصرياً، على العكس من المجتمعات المكونة للمجتمع السوداني التي تدير خلافاتها بالبنادق، ما ساهم في انفصال الجنوب مبكرا لصالح مؤامرة تعيد تخطيط المنطقة لتحقيق مصالح القوى الكبرى.

 اقرأ أيضا– محمد شكر يكتب لـ «30 يوم»: من العتبة إلى الخرطوم.. جسور التجارة الأهلية تتجاوز محاولة اغتيال مبارك بأديس أبابا (1)

لهذا فما يجري الآن ليس أكثر من محاولة جديدة لاقتطاع الغرب السوداني انطلاقا من دارفور وحتى المثلث الحدودي لتشكيل دولة ثالثة يحكمها “حميدتي” بدعم من مخربي المنطقة، وهو ما تقف له مصر بالمرصاد، فلا عبث أكثر بالسودان فقط لإشغال مصر عن عدوها الشرقي وتمزيق القرن الأفريقي لصالح إسرائيل، ولن تغير الحملات الافتراضية المدفوعة وفيديوهات ميليشيات محمد حمدان دقلو ودهابته من الأمر شيئاً، ولا رابط حقيقي حتى الآن بين إطلاق النار على شهيدي لقمة العيش في السوق المركزي بالعاصمة السودانية وبين تأديب الجيش المصري للدهابة في أقصى جنوب مصر، وكلها محاولات واهية للوقيعة لصالح طرف وظيفي واحد، وقد أستبق نتائج لجنة تقصي الحقائق التي أعلن مجلس السيادة الانتقالي في السودان تشكيلها لكشف أسباب الحادث الذي نتج عنه إصابة سائق مصري ثالث إضافة إلى السائقين الشهيدين، ولكني موقن أن إطلاق النار على المصريين العزّل في الخرطوم تم بضغطة إثيوبية على زناد الإرهاب.

ربما لا يدرك الكثير من المصريين تعقد الأوضاع الجيوسياسية في القرن الأفريقي، مع إعلان أديس أبابا انخراطها صراحة في الحرب السودانية، بل وتخصيص إحدى أكبر قواعدها الشمالية لإسناد ميليشيا الدعم السريع، لتصبح قاعدة “أصوصا” العسكرية في إقليم بني شنقول الذي يضم سد النهضة، قاعدة انطلاق مسيرات الدعم السريع لاستهداف النيل الأزرق وأم درمان ودارفور، في الوقت الذي تتقدم فيه القوات الفيدرالية نحو إقليم تيجراى، لا للاستيلاء على عاصمته ميكلي التي أخلتها جبهة تحرير تيجراى، ولكن لتجاوزها واختراق الحدود الإثيوبية لاحتلال ميناء عصب الأريتيري وسرقة منفذ على البحر الأحمر بقوة السلاح، ربما مصر قرأت هذه النوايا مبكراً فكان اتفاق الشراكة الدفاعية مع أسمرة، والآن على آبي احمد أن يضمن تقليص أي وجود مصري محتمل في السودان لعدم حصار قواته إذا ما فجر القرن الأفريقي باستهداف أريتريا أو مينائها البحري، وهو ما لا يتحقق إلا بتقليب السودانيين على القاهرة، بزرع الفتن في الداخل، وإرسال مرتزقته عبر الحدود لشغل الجيش المصري بصون حدوده المنفلتة بفعل غياب دور الجيش السوداني وإلقائه مسؤولية تأمين الحدود المشتركة على عاتق الجيش المصري منفرداً.

لهذا فالتلويح بقطع طرق التجارة البرية يحرم السودان من خيرات العتبة ويفاقم من أزماتها الاقتصادية والإنسانية، والحديث عن تتبع الذهب إلى ما وراء الحدود السودانية أمر مخطط له، خاصة وأن “حميدتي” لم يتجاوز دوره ككلب حراسة للذهب السوداني المسروق في عهد البشير، حتى مكنته أعداد المرتزقة الكبيرة التي أسست الدعم السريع من التفاوض للحصول على الحصة الأكبر من ذهب السودان، بالتعاون مع مجموعة فاجنر الروسية بل وتهديد شركائه في الحكم بهم، ليقوم بتأسيس شركة “ميرو جولد” للتنقيب، مع شقيقه عبد الرحيم دقلو، والتي استحوذت على عقود استغلال مناجم السودان، قبل انقلاب “حميدتي” على مجلس السيادة والجيش السوداني، وبعد محاولة دقلو الفاشلة للقفز على السلطة قبل 4 سنوات، أصبح رجاله يسيطرون على مرافق صناعة التعدين في البلاد كاملة، لتعمل الميليشيا على استخراج الذهب قبل تهريبه إلى دبي أو موسكو وفق السيطرة الجغرافية ووسطاء صفقات الذهب المشبوهة.

ولأن قوانين التنقيب في مصر تختلف عنها في السودان الذي يسمح لمواطنيه بالتنقيب الأهلي، تستقطب عصابات الدهابة شريحة من البسطاء الذين يتم تضليلهم، ليصبحوا بعد أيام من رحلات التنقيب أسرى لدى هذه العصابات، فيموتون إجهادا من الحفر والتنقيب، أو برصاصات تلاحق الهاربين منهم، وشهادات العديد ممن سلموا أنفسهم طوعا لقوات الأمن المصرية أكدت تضليلهم، ولو صمتوا على عمليات التهريب التي تمارسها العصابات نفسها للبشر والمخدرات والسلاح، ما يهدد أمن البلدين بلا تمييز، لهذا على المصريين الصبر والاحتساب، وعلى السودانيين الثقة في إخوانهم والتهدئة، لأن المشهد الحالي ما زال ضبابيا بالنسبة للكثير من المنتمين للمعسكرين اللذين يتبادلان السباب عبر مواقع التواصل الاجتماعي الآن، في وقت سابق أعلن ترامب عن اتفاق دفاعي مع أديس أبابا، ردت عليه مصر باستدعاء الرئيس الصيني إلى أراضيها الشهر الماضي، وهو الرجل البرتقالي نفسه الذي كرر مرارا أن من حق مصر نسف سد النهضة، ولم تقدم مصر على هذه الخطوة فقط لأنها لم تتضرر بعد، وأكاد أجزم بأن خطة مصر مختلفة تماماً، لأنها تتحلى بالحكمة وتمتلك الحق القانوني والقدرة العسكرية اللازمة، ولن أفضح السيناريو المصري الأكثر ترجيحا وابتكارا من وجهة نظري، والذي أرى أن السودان سيكون لاعبا محوريا فيه بعد أشهر قليلة ستكون كفيلة بتصفية الدعم السريع إن لم تتغير الأوضاع الحالية، فالمنطقة تلفظ الغرباء، وآن لأهلها أن يبسطوا سيطرتهم عليها، وهو ما يحدث في القرن الأفريقي كما يحدث في الشرق الأوسط، لهذا دعوا للكبار مهمة قيادة الأزمة لمواجهة محاولة فرض أمر واقع مغاير، والعبث بمقدرات الشعبين المصري والسوداني، في وقت تعالت هتافات البطولات الوهمية عبر المنصات الافتراضية وتناست شريحة من السودانيين بلادهم الممزقة، لينقلوا دفعات الرصاص من صدور بعضهم البعض إلى صدور القادمين من العتبة وغيرها من مراكز الإنتاج والتوزيع العديدة لإغاثة شعب شقيق تحيط به النيران من كل صوب، في تطبيق لمقولة الراحل محمود درويش “فارسٌ يغمد في صدر أَخيه خنجراً باسم الوطن ويُصَلي لينال المغفرة”.

 اقرأ أيضا – من العتبة إلى الخرطوم.. السودانيون في مصر من تجارة أتلفتها النزاعات إلى نزوح فوضوي ( 2)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى