محمد شكر يكتب لـ «30 يوم»: من العتبة إلى الخرطوم.. جسور التجارة الأهلية تتجاوز محاولة اغتيال مبارك بأديس أبابا
قبل مطلع الألفية الثالثة بعام واحد، ساقني شرودي الصحفي إلى مجلة “آخر كلام”، لأستقر بها بضعة أعوام، كانت كفيلة بثقلي صحفيا، مع إبحاري بحرية بين أقسام المجلة المختلفة، والتي لم أغادرها إلا إلى “البداية” الوفدية ومنها إلى جريدة الوفد، بعد أن لفظت تجربة الأستاذ محمود أباظة الأكثر خصوصية بين الصحافة الحزبية أنفاسها الأخيرة في 2003.
ربما شاءت الظروف أن أقضي أربع أو خمس سنوات في مجلة تشق طريقها بشق الأنفس، متخذة من مكتب بسيط في إحدى العمارات المطلة على ميدان العتبة مقراً لها، لأمتزج بالمكان الصاخب سريعا، وأتفاعل مع محيطه الاجتماعي، ما ساهم في اقتناص انفراد بسيط من مسرح الطليعة المقابل، أو خطف حوار من الجهة المقابلة لنافذتي المزدحمة، إضافة إلى مروري اليومي بالمسرح القومي ما مكنني من إجراء حوارات مع نجوم المسرح القومي وقتها، ليتاح لي إضافة إلى تنمية مهاراتي الصحفية، الاطلاع على نماذج بشرية مختلفة ومتنوعة وثرية تعيش على أرض هذا الوطن، كشفت في النهاية عن مجتمع أعمال كبير ومعقد رغم مظهره البسيط، لأنه يقوم على التبادل التجاري الأهلي بين مصر والسودان، بغض النظر عن التوزيع المحلي للمنتجات المصرية التي يذخر بها مربع العتبة التجاري، فقد كانت قيادة هيئة الصادرات الأهلية بين مصر والسودان تقع فوق رأسي تماماً.
كان مقر مجلة “آخر كلام” يعلوه فندق “أبو الهول” الذي شاركنا سكانه المصعد نفسه، وأذكر “منعم” الجنوبي الطيب الذي كان مفتاحي لهذا العالم، ورغم أنه كان دائما ما يملي شروطه على ركاب المصعد، ولكن علاقتنا كانت مختلفة، لأنه كان لا يمل من تكرار محاولات إبهاري، وربما أحبني لأني كنت مستمعا جيدا، أنصت لحكاياته التلغرافية حول وضع البناية الكبيرة وشركاتها المختلفة خلال دقيقتين أو ثلاث، كان زمن الرحلة من المدخل المزدحم بطرود محكمة الغلق، إلى الدور قبل الأخير في العقار الضخم المقسم إلى شطرين متطابقين، لهذا جمعتني به وبتجار سودانيين علبة معدنية واحدة لسنوات، فعرفت روتين سفرهم وعودتهم من مصر إلى السودان والعكس، وشاهدت شاحنات تحمل أطنانا من منتجات العتبة بعد منتصف الليل، لتسلك الطريق البري للجنوب حتى أم درمان، ليغيب جيراننا في الطابق العلوي من أسبوعين لشهر، قبل أن يشاركونا المصعد نفسه لأسبوعين آخرين.
كان الفندق الذي يعلو المجلة بسيطا للغاية، لا يضم أكثر من “كاونتر” ودكة خشبية بجلد أخضر مهترئ، وممر يؤدي إلى الغرف المحدودة للفندق، ساقني الفضول لأتطلع إليه وأرصده حينما كنت أشاهده إذا ما صعدت دورا مع “منعم” لتجنب امتلاء المصعد خلال النزول، كانت نظرة خاطفة كافية لكشف مدخل الفندق برواده القلائل، وكنت أجامل “منعم” من آن لأخر بمناولته كوبا من الشاي كان يعيده مغسولا بعد جولة بالمصعد، فأصر ذات مرة أن يرد “عزومة” الشاي، فمنحني فرصة استكشاف هذا الفندق أو البنسيون بالأحرى رغم التسمية الرسمية، ولنصف ساعة كاملة جلسنا على الدكة ذات الجلد الأخضر، مستمتعين بكوبين من الشاي الصعيدي، وأنا أحاول إقناع بطارية هاتف “منعم” النوكيا أن تضع قطبيها بهدوء أكثر بين ريشتي الشاحن الخارجي ذو الأضواء الملونة، ورغم أن دعوة الشاي لم تكن بريئة لأنه توسم في خيرا لإصلاح هاتفه، إلا أنه لم يعلن استياءه حين فشلت في المهمة، فتناول البطارية والشاحن ووضعهما على “الكاونتر” القريب وبدأ يهمس لي بما يعرفه عن النوبي الطيب الجالس خلف “كاونتر” الاستقبال، ثم التاجر الذي يأتي ليتناول الهاتف الأرضي ليجيب على مكالمة واردة من الوطن، وخلال ساعة أو أقل قضيتها بين مصريين وسودانيين في هذه الجلسة، تعرفت على طرق التجارة بين القاهرة والخرطوم، وخطوات عقد الصفقات من دفع العرابين ثم التجميع والتخزين قبل النقل والتصدير عبر الشاحنات، كانوا يروون جداول رحلاتهم الدورية في حديث ذي شجون حول حمل الأمانة، مع اعتماد كثير من صغار التجار السودانيين على بيع البضائع قبل شرائها، بالاتفاق مع المستوردين والحصول على عرابين لجبر رأس المال المحدود، قبل العودة بالسلع وتسوية القيمة الكلية للمنتجات، هي رواية تكررت بتفاصيل أدق خلال عامين أعقبوا الزيارة التي لم تكن الأخيرة لفندق أبو الهول.
ولسنوات لمست معاناة تجار صغار يرى “منعم” بين أيديهم عشرات الرزم النقدية ويؤكد حرصهم ويدهم القابضة على ما يمتلكونه بقوة، ربما لأنه لم يدرك أنهم في هذا التوقيت كانوا يتنفسون الصعداء، عقب مرحلة من التوتر الذى دمر جسور التجارة بين البلدين، وربما لأن البشير أعلن الحرب على مصر مرتين تجاهلهما مبارك بازدراء لشخصه لا للشعب السوداني الشقيق، ليأتي انتعاش التجارة مجددا مع بداية الألفية، عبر عن استقرار نسبي في العلاقات بين الرئيسين مبارك والبشير، والتي توترت نتيجة اكتشاف القيادة المصرية ضلوع نظام البشير في محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا، ما ساهم في تصاعد الخلاف بين البلدين، ليبدأ البشير تصدير قضية حلايب وشلاتين بقوة لاستثارة السودانيين ضد جارتهم الشمالية، وربما هذا ما كان سببا في زيادة الاهتمام بهذه المنطقة والبدء في تنميتها ودعم مواطنيها وتثبيت وجود الدولة المصرية بمؤسساتها المختلفة على الحدود الجنوبية، وأنا عاصرت تتابع الأخبار عن هذه البقعة البعيدة التي لم يسمع لها صوت قبل التسعينيات، مع توجهات رسمية حاسمة لفرض سيادة الدولة على أراضيها، وضبط الحدود الجبلية الوعرة ما أثار اشتباكات طفيفة شهدتها المنطقة العازلة بين البلدين، قبل أن تهدأ الأمور رويدا رويدا.
مع استقرار الأوضاع السياسية ، دفعت التجارة الأهلية التي ارتفعت معدلاتها مطلع الألفية الكثير من التجار السودانيين للإقامة في مصر بصورة شبه دائمة، ليتحلقوا حول حي الموسكي، ويخترقوا حاراته وأزقته متغلغلين في حي عابدين المجاور من جهة، وشارع كلوت بك بامتداده حتى الفجالة وميدان رمسيس من جهة أخرى، بينما اقتصرت إقامة السودانيين في فندق أبو الهول وغيره من الفنادق المتناثرة حول الميدان على التجار الصغار الراغبين في استيراد بضائعهم وبضائع زملائهم في الأسواق السودانية من الداعمين لرحلتهم التجارية بالمال، لتحمل الشاحنات المنتجات المصرية والمستوردة إلى الخرطوم، وقد تعود محملة بمنتجات سودانية أقل، تم الاتفاق عليها خلال أسبوعي الشراء في القاهرة، لتمثل العملية دائرة اقتصادية مغلقة تجنح إلى تبادل مصالح تجار التجزئة المصريين والمستوردين الصغار إضافة لشركات كبيرة لا أتطرق إليها هنا، ولكن الأكيد أنهم كانوا مجتهدون ويعملون دون مخالفة للقانون، هكذا كانت العتبة ملجأ لتجار سودانيين صغار، لهذا لم يكن غريبا أن تجد أحدهم يلقي عليك السلام في المشهد الحسيني صدفة، أو يلتقيك آخر في شارع شامبليون ليعرفك برفيقه باعتبارك جارا في العمارة التي حملت اسم الفندق، لتشتهر باسم عمارة أبو الهول.. للحديث بقية.
اقرأيضا – محمد شكر يكتب لـ «30 يوم»: «الكرنك».. أزمة سينما أتلفها الهوى




