توبكُتّاب وآراء

من العتبة إلى الخرطوم.. السودانيون في مصر من تجارة أتلفتها النزاعات إلى نزوح فوضوي 2

كنا نعيش في مجتمع هادئ رغم الصخب الشعبي الذي فرضه زحام العتبة، تلك المملكة التجارية الكبرى التي تجد فيها كل ما تبحث عنه، بأذرع اخطبوط تمتد إلى شوارع عبد العزيز ومحمد علي والموسكي والجيش، تفرض سيطرتها حتى على حارة اليهود التي تنفذ إليها من أزقة الموسكي بإطلالاتها الملونة، كان المكان مفتوحا للجميع، ويحتضن الجميع بحميمية خانقة، ولأن حياتهم لم تكن أبداً سهلة، فقد كانت مملكة العتبة مناخا مناسبا للسودانيين الطامحين في تحقيق ذواتهم عبر التجارة، هناك قابلت شبابا سودانيا واعدا يقتطع القروش ليحمل البضائع إلى بلده ويغيب شهرا أو شهرين حتى يبيعها ثم يعود منفردا ليبدأ التسوق من جديد، رأيت رجالاً بارعين في معاينة السلع وطرق فرزها وتغليفها وترقيمها وتخزينها لحين الشروع في عملية الشحن البري، ورأيت تجارا استدانوا أثمان السلع وخسروا قبل أن يعودوا إلى بلادهم مع ضربات السوق بتغير مفاجئ في أسعار منتجات، أو نقص نوع والاضطرار للاعتماد على نوع من فئة أعلى، ما يسهم في تقليص هامش ربح التاجر من صفقة الاستيراد أو نسفه تماما، ولكنهم كانوا يربحون في النهاية ويعاودون الظهور في فندق أبو الهول، أو في محيط الميدان حيث نتبادل تحية عابرة أو طويلة وفق علاقتي بـ”الزول”، ولكن ذلك كان قبل سنوات، قبل أن تغير الحرب كل هذا الاطمئنان، حتى الوجوه التي ألفتها تغيرت قبل سنوات طويلة، وتزايدت أعداد السودانيين الجدد بفعل النزوح الإنساني لتحتضنهم مصر كما فعلت دائماً.

هم بسطاء طيبون، أحب فيهم ترابطهم الأسري ومزاحهم الدائم، ربما لأنهم يعبرون عن ماضي مجتمعنا الذي نهشته المادية الآن، فجعلت من وجودهم ذريعة لمضاعفة الإيجارات وسلب مدخرات اللاجئين والمصريين في آن واحد، لإشباع نهم ملاك العقارات والوحدات السكنية، ولكنها أيضاً أيامٌ لم تخلُ من دعمٍ لأشقاء النيل الذين استوطن آلاف منهم الحي الذي أسكنه قبل مرور شهر واحد على انقلاب الدعم السريع، شهدت وصولهم الأول في تجمعات كبيرة تناثر رجالها بين الأبراج والمنازل بحثاً عن مأوى، كان عصر أحد الأيام حيث افترشت فيه النساء والأطفال مدخل شارع جانبي واسع، لم يعرهم أحدٌ اهتماما في البداية، ولكن مع تجمعهم ليطمئنوا لبعضهم البعض، تضخمت أعدادهم فجأة ليمارس أهالي المنطقة التابعة لحي الهرم رصدا ميدانيا للوافدين الجدد، وبعد مراقبة لساعة تقريباً، أدرك “الهرماوية” عمق الأزمة، كما أدركوا دورهم الإنساني جيداً.

تدفقت المساعدات الإنسانية من طعام لا أعتقد أنه كان فائضاً عن حاجة أغلب جيراني، وتتابعت الإمدادات بأغطية ومراتب متهالكة رغم اعتدال الطقس، مع إصدار السكان من المصريين تعليمات رسمية لحراس العقارات المجاورة لموقع تجمعهم، بتقديم قوارير المياه وإعادة ملئها كلما أطفأت عطشهم ونفدت، لهذا لم تشهد هذه المرحلة سوى تعاطفا كبيرا من المصريين في الموجة الأولى للنزوح، ربما توجس المصريون ساهم في بقاء النازحين في الساحات دون حصول على سكن ليوم أو يومين، قبل أن يفرض المستغلون من بيننا شروطهم، ويرون في أزمتهم الإنسانية غنيمة حرب، فيمنحوا الأسر وحدات سكنية بأربعة أضعاف قيمتها الإيجارية، ويطمئن باقي الملاك لوداعتهم ويؤجرون لهم ما خلى من شقق أو حتى “جراجات” وأسطح بأسعار متفاوتة، لتجتمع النسوة والأطفال من عدة أسر في شقة واحدة، لا أدرى كيف استوعبت ما بين 20 و30 نفسا، بينما بقي الرجال ملتحفين بالسماء إلى حين، ورويداً رويداً استقر الجميع وحصلوا على ملاذات آمنة وامتزجوا بنا.

لا شك أنهم جاءوا بعادات طيبة لم تعد دارجة في مجتمعنا المصري، منها التزاور والتكافل والمجاملة الإلزامية في الأحزان والأفراح والمواقف الحياتية المختلفة، ما تسبب في صدامات مع جيران بسطاء لا يعلمون الكثير عن عادات الجارة الجنوبية، خاصة أن كثيرا من المصريين أصبحوا يفضلون العزلة وعدم الاختلاط، وهو ما وضع هذه الفئة في مواجهة السودانيين الجدد، لأن بعضهم لم يزر مصر سابقاً كجيراني في عمارة أبو الهول، الذين كانوا يعلمونني أسرار منطقة عريقة لم أكن أعرف أهميتها الاقتصادية قبل أن ألتقيهم، وكانوا يصفون لي الدروب إذا ما أردت شراء سلعة أو جهاز، بل ويوصون بي البائعين المصريين الذين ترسخت علاقتهم بهم مع تكرار المعاملة الطيبة.

وكما تغير المجتمع المصري قبل سنوات، تغير السودانيون سريعا، ووقعوا في أزمات المكايدة، فإذا ما تلقوا حديثا عن ضيق بهم، تحدثوا عن حق في حلايب وشلاتين، وإذا ما عيروا باللجوء والضغط على الخدمات، ردوا بأنهم يعيشون بقروشهم، والقروش هنا تعبير سوداني دارج عن المال، ربما لأنهم قاموا بتطبيق قياس واحد على مختلف فئات الشعب المصري، وبعد أن اطمأنوا لبقائهم، اختاروا مواجهة المخاوف المشروعة للمصريين المنعزلين اختياريا في مواجهة تجمعات كبيرة أصبحت تخوض عراكاً هنا، أو تنتصر لسوداني تعرض لظلم هناك، ليرتبك المشهد قبل تدخل الدولة لتنظيم هذه الفوضى، خاصة أن الموجات الأولى للنزوح تم تسجيل القادمين خلالها على قوائم مفوضية اللاجئين واقتصرت على مئات الآلاف يتقاضون أموال إعاشتهم مباشرة من المفوضية دون وساطة من الدولة المصرية، على عكس ما يروج له المتسربون عبر الحدود بمساعدة عصابات الإتجار بالبشر.

وإذا كانت التقديرات الرسمية تشير إلى وجود أكثر من 3 ملايين سوداني في مصر، فعلينا أن نتعامل مع وجودهم كضيوف سيبقون إلى حين لا كأمر واقع نحاول تغييره، خاصة وأننا نجد رفضاً كبيرا لفكرة العودة إلى السودان، بعد نحو 4 سنوات قضوها في بناء حيوات جديدة، ما دفع كثيرين منهم لاستثمار مدخراتهم في فتح محال تجارية صغيرة أو إقامة مدارس وشراء أصول للاستفادة من التيسيرات الممنوحة للأشقاء، فهل عليهم الآن ببساطة أن يهدموا ما بنوه؟، لا أعتقد ذلك، لهذا علينا دعمهم حتى تلتئم جراح بلادهم، فأنا دعمت صانعي الطعمية السودانية وأدركت الفارق بينها وبين ما احترمته ذائقتنا، وصاحبت معاذ ابن مدينة دنقلا، هو شاب طيب اكتشفت أنه زار أسوان أكثر مما زرتها أو زارها أي من سكان العاصمة، شهدت نجاحهم وإخفاقاتهم ولطفهم، لم أشتبك يوما مع أحد منهم سوى صديقي اللواء في الدفاع المدني السوداني، كان متقاعداً ينتظر معاشه الشهري ويمارس أعمالا تجارية متعددة، سكن الشقة التي تعلو شقتي لعام تقريبا، جاء يبحث عن مكان أفضل يسكنه مع اقتراب زواج ابنته التي شهدنا عرسها الجميل، كان مهتما بتجديد الشقة والأثاث تشريفا لقرينته، أنفق الكثير وهي تستحق، ويوم عرسها اختلفنا على عطل تسبب فيه للمصعد الوحيد للبناية، عرض مالا فرفضت لأكتشف بعد أن تصالحنا أن مسكنه القديم لم يكن يدخل مصعده إلا بدفع إتاوة لحارس العقار، أو يبقى المصعد معطلاً بالنسبة له على الأقل، هو رجل طيب، قابلته قبل أسبوع وكنا لم نلتق لأشهر، قضينا بضع دقائق نتبادل التحية والأخبار، علمت أنه افتتح وكالة تسفير ونقل بضائع إلى الوطن، ويسافر إلى المعابر وساحاتها الجمركية ويعود إلى أسرته في الحي الذي أسكنه ليتبادل هذه المهمة مع ابنه وقريب له، ربما ساهمت قروش اللواء محمد أبو زياد في استثمار رسمي بسيط، ولكنها أضفت على حياته أمنا واستقرارا وسعة في الرزق، ما جعله يؤكد أنه لا يفكر في العودة إلى الخرطوم بعد انتعاش أعماله في مصر، هي قروش ليست لنا ولو أغضبكم مستغل، هي لكم ونحن أيضاً طالما بقيت جذورٌ لمحبة.

وصل اللواء السوداني الطيب إلى مصر ضمن موجات النزوح الأولى، لم يخالف القانون يوما ولم يجنح إلا لسلم في أي نزاع شهدته، رعى أهله كما يجب أن يكون الرجل، هو مقيم شرعي يختلف تماما عن القادمين بواسطة عصابات الإتجار في البشر، وكثير منهم لم يسجلوا دخولاً رسميا ما حرمهم من رواتب مفوضية اللاجئين أو حتى الاقتراب من السفارة السودانية خاصة المدانين بأحكام جنائية، في الوقت الذي كنت أراقب نجاح السودانيين، قابلت “علي” كان يعمل في مغسلة سيارات، لم يكن مجرما كما يصور بعض المصابين بآفات الريبة، سمعتهم كما استمعت إلى قصته، هو طفل ضائع ولو تجاوز العشرين، دفع كل ما لديه ليأتي وحيداً إلى القاهرة بحثا عن أهله، قبل أن يكتشف أنهم نزحوا إلى تشاد، بقي في القاهرة بلا أوراق أو مال أو رفيق، قابلته وأنا أغسل سيارتي وتبادلنا الحديث، عرفت أنه ينام بين السيارات في الجراج الملحق بالمغسلة، لم يكن يحصل على أجر تقريباً، الإكرامية كانت كافية لتبقيه حياً دون رفاهية أكثر، قابلته لأشهر وتحدثنا كثيراً عن رؤيته للحرب القائمة، لم يكن يثق بأي معسكر ولا يرى في الحرب حربه، ورغم يأسه وضياعه، إلا أنه كان يفهم تعقيدات الصراع في بلاده، وبقي لأنه لا يملك المال ولكنه بحماسة عشرينية عاد علي إلى الخرطوم قبل أشهر، تلبية لدعوة رئيس مجلس السيادة السوداني بعد تحرير الخرطوم.

ربما نجح علي بنزوحه غير الشرعي الذي يجعله خارج مظلة القانون في الحصول على عمل وفسحة للنوم بين سيارتين قبل أن ينجح في العودة إلى بلاده، ولكن الفروق الفردية التي وضعها الله في نفوس البشر، جعلت شبابا مختلفا يعربد بعد الخروج من الملاهي، ضمن طبقة مختلفة من السودانيين أساءت للبسطاء والطبقة الوسطى بينهم، ربما تعددت جرائم السرقة التي استلهمت أساليب المصريين، كخطف الهواتف بواسطة دراجات بخارية، أو قطع الطريق وترويع بسطاء آخرين لا فرق بالنسبة لهم سواء كانوا مصريين أو سودانيين، لهذا خُلق القانون الذي يجادل بشأنه كل منزوع الإقامة، رغم أننا لسنا في حاجة لمظلومية اللجوء، دون تحقق أمني يجنب البلاد مآلات الأزمة السودانية، بلادكم حكمها نظام “كيزاني” لثلاثين عاما، اختطف السودان قبل أن يختطف مصر بسنوات، ليسهم التنظيم الدولي للإخوان في تفخيخ العلاقات المصرية السودانية لعقود وحتى الآن، بقايا كيزانكم ومرتزقة “الدعامة” كما تسمونهم، هم من يحفرون فخا لكلينا، لهذا لا بأس أن نتعرض للوم لأننا نحاول احتواء الفوضى.

وبغض النظر عن شائعات الترحيل لعراك على حبل غسيل، أو سلة قمامة مبعثرة، لن تجد الكثير من الأزمات في المجتمعات الحضرية، لكن ذلك بالتأكيد لا يعني أن ما يحدث في الجنوب يمكن التهاون معه، خاصة مع تكرار الهجمات من جنسيات مختلطة، وهو ما أدركته السلطات السودانية مع دفع حرس الحدود المصري بمئات المنقبين السودانيين عبر معبر أرقين قبل ثلاثة أشهر، هم الدهابة الذين ألقوا أسلحتهم بعد اشتباكات وضحايا من الطرفين من قبل، والآن نرى حملة دفاع عنهم لأن المرحلة الثالثة التي أعلنتها القوات المسلحة لوقف غزوهم كانت أشد من سابقتيها، أسمع كلاماً عن اختلاف القوانين بين بلدينا، كلام عن إباحة السودان للتنقيب بما يجيز للسوداني أن يعبر حدوده الشمالية خلف عروق الذهب، ربما لم تدركوا أن ما أباحه الكيزان لعقود مص ثروات بلادكم ومنحكم الطين وفتات الذهب، ربما لو فكرتم قليلا تدركون أن حل أزماتكم ليس برفع السلاح في وجه بعضكم البعض لأي سبب، الآن أشاهد مقاطع مصورة تحريضية بسيناريوهات هزلية لغزو الحدود الجنوبية، ربما لحكمة أعهدها في الشعبين بغض النظر عن اللجان التي تشعل الحرائق الافتراضية، يجب أن نوقف التراشق الهزلي الداعم لهذه الحملات، لا تروجوا لمعاول تهدم روابطنا التاريخية التي أحكمها النيل.

لهذا علينا أن ننظر إلى المجتمع السوداني في مصر بتفهم أكثر لفطرية وطيبة وعادات يعرفها كثير من أهل الريف أكثر من أهل المدن، هم حسنو المعشر فلا تجعلوا منهم أشرس بمناوئتهم إذا أخطأ في حقكم مقيم من بينهم في السعودية أو هولندا، هم لم يكتوا بنار الجنجويد بل تربحوا من دمائهم بترويج القطيعة خدمة لخرائط استعمارية، السودانيون بيننا أشقاء حكماء في مجتمع يموج بالضجيج، وعلينا أن ندرك حقيقة أن غالبيتهم لن يعودوا لأرضهم قبل انتهاء الحرب بشكل كامل، هو رأي أجمع عليه العديد من أصدقائي، بعد أن عانوا مرارة الأسر في منازلهم تحت بنادق الدعم السريع، هي أيام صعاب مروا بها، فاحتضنوهم بلا مكايدات أنتم أكبر منها، وعلموهم كما تعلمنا منهم هي مهمتنا في الحياة لو تعلمون.

ربما أرى حالة من الاستقطاب تموج عبر الوسائط الرقمية، ولكني لا أرى في الشارع سوى عبد الله السوداني يقفز من مدخل السوبر ماركت ليلقي علي التحية، رغم أنه لم يجاورني في البناية نفسها إلا لأقل من عام في الشقة نفسها التي سكنها اللواء محمد، لهذا لا يرهبكم تسونامي فيسبوك أو إكس، لأنها موجات ممولة سرعان ما ستنحسر، فلا تدلوا بدلوكم فيها، ورغم ذلك على الدولة الاستمرار في تفعيل القوانين المنظمة للإقامة، وتوفيق أوضاع المخالفين أو إعادة ترحيلهم، وهو إجراء لم تجنح إليه الدولة، إلا بعد طلب من رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق ركن عبد الفتاح البرهان لمواطنيه بالعودة إلى بلادهم بعد تطهير العاصمة الخرطوم من ميليشيا الدعم السريع، لهذا قرأت في إعادة إثارة قضية حلايب وشلاتين رغم إقرار الدولة السودانية ومؤسساتها السيادية وبرلمانها المنتخب بسيادة مصر عليهما محاولة للتفريق بين شعبين شقيقين، كما أرى حملة مدفوعة الأجر ولو استمعت لشتائم واتهامات باطلة تنال من مصر، ولكني ككبير أنتمي إلى بلد أكبر، أرى محاولة تزييف الوقائع في قضية “الدهابة”، وسيلة لفك عروة وثقى أطبق عليها النيل بلا فكاك لقرون، وفي رصاصات الغدر بالمصريين القادمين من العتبة لإطعام أشقائهم في زمن الحرب فخ لا يختلف كثيرا عن ذلك الفخ الذي نصبه الاحتلال الإنجليزي للبلدين النابتين من نيل واحد نهاية القرن التاسع عشر، هي سيناريوهات مكررة لعقليات استعمارية يعميها المعدن الأصفر عن رؤية الدماء التي أراقتها، لم يطلق النار سوداني ولو حمل جنسية هذا البلد، ولم يعصف حراس الحدود الجنوبية إلا بمرتزقة يحملون جنسيات تبعد قارات عن النيل الذي يجمعنا سوياً، هي حالة استقطاب ممولة لصالح إعادة تشكيل القرن الأفريقي، وكلانا يدفع الثمن.. ما زال للحديث بقية.

اقرأ أيضا– محمد شكر يكتب لـ «30 يوم»: من العتبة إلى الخرطوم.. جسور التجارة الأهلية تتجاوز محاولة اغتيال مبارك بأديس أبابا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى