الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: حين يصبح العالم أضيق من الروح
ليس الإنسان مجرّد عابرٍ في هذه الحياة
سواء كان ابن الريف أو المدينة بل عالمٌ قائمٌ بذاته؛ تختزن ذاكرته أوطانًا، وتتصارع في أعماقه أحلامٌ لم تكتمل، وطرقٌ لم يسلكها، ووجوهٌ غابت دون أن ترحل من داخله.
إنّه يحمل العالم في صدره،
بكلّ ما فيه من ضجيجٍ وحنينٍ وخيبات،
حتى يغدو أحيانًا أثقل من أن تحمله روحه.
المفارقة أنّ الإنسان، كلّما اتّسعت قدرته على البناء، ازداد احتمال ضياعه. يشيّد الأبراج، ويرفع القصور، ويمدّ الطرق نحو الآفاق، ثم يقف أمام إنجازاته ، يبحث عن مكانٍ له في عالمٍ صنعه بيديه، فإذا به أكبر منه. لقد أتقن الإنسان بناء المدن، لكنّه لم يتعلّم كيف يبني روحه ويحميها من وحشتها.
في عالم اليوم تتقارب الأجساد وتتباعد الأرواح ملايين الوجوه تعبر الشوارع، وأصواتٌ لا تنقطع، واتصالاتٌ تصل الجميع بالجميع، ومع ذلك تتّسع العزلة كأنّها المساحة الوحيدة التي لم تستطع الحضارة اختصارها.
فالوحدة ليست غياب الناس، بل غياب من يستطيع أن يعبر المسافة بينك وبين نفسك، وأن يرى ما وراء صمتك دون أن تضطرّ إلى شرح انكساراتك.
وقد تكون أقسى الغربة أن يعيش الإنسان في قلب العالم، ولا يجد فيه مكانًا يشبهه ،أن تحيط به الأشياء التي صنعها، بينما يعجز عن العثور على معنى يطمئنّ إليه. عندها لا تعود المدينة جدرانًا وأبراجًا، بل مرآةً تكشف اتّساع ما يملكه الإنسان وضآلة ما يشعر به، وتفضح المسافة بين نجاحه في الخارج وعجزه عن مصالحة داخله.
ولعلّ مأساة الإنسان الكبرى أنّه كلّما اتّسع العالم من حوله، ضاق المكان الذي يجد فيه نفسه. يبني البيوت لأولاده كي لا يكون وحيدًا، ثم يختبئ في عزلته؛ يرفع الأبراج ليقترب من السماء، بينما تتراجع روحه تحت ثقل المادّة والسرعة والخوف.
أرى أن الإنسان قد لا يحتاج إلى عالمٍ أكبر، بل إلى معنى أعمق؛ لأنّ أقسى أشكال الوحدة ليست أن تقف وحيدًا في مساحة مكتظّة، بل أن يصبح كلّ ما بنيته حولك شاهدًا على عجزك عن بناء مكانٍ آمنٍ في داخلك.
فما قيمة أن يمتلك الإنسان مدينةً بأكملها، وهو غريب عن نفسه؟
سأنهي الحديث الذي يطول ولا ينتهي بهذه الحكاية..
بنى رجلٌ ناطحة سحاب من مئة طابق، ووضع في كلّ طابق شيئًا يحلم به، ثم سكن وحده في الطابق الأخير. سألوه: ألم تشعر بالوحدة؟
قال: أبدًا، لديّ ألف نافذة! سألوه: وهل تحدّثك إحداها؟
صمت قليلًا ثم قال: لا، لكنّها كلّها تشهد أنّني ناجح، حتى إنّ وحدتي صارت أطول من البناية نفسها!
اقرأ أيضا – الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: مرآة السلوك الإنساني




