فن و ثقافةكُتّاب وآراء

الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: مرآة السلوك الإنساني

هذا النص مأخوذ من (التقاليد المتبعة) للشاعر الهندي الساخر :شيمانام تشاكو(1926-2018) .

“بقيت جثة كلب ميّت ممددة في شارع ممتلئ بالحركة لمدة يومين …لم يتحرك الموظف المسؤول في المؤسسة، لإزالة الجثّة من الشارع …وأخيراً قام قسيس في كنيسة مجاورة بالاتصال هاتفيا بالمسؤول وأخبره بالأمر …
أجاب المسؤول بغطرسة واستعلاء :
أيها الأب المحترم ،
أليس من واجبك دفن الموتى مع الشعائر اللازمة، بما أنّ الوفاة حدثت في أبرشيتك ؟
أجاب القسيس :
معك بعض الحقّ فيما تقول ، ولكن التقاليد المتبعة ، تتطلب إخبار أقرب الأقارب عند حدوث وفاة ولذلك اتصلتُ بك ،مع تعزيتي !!!!!))

صراحة لفتني هذا النص
وألحّ عليَّ بنقاش فكرة حول جثة الكلب بوصفها مرآةً للسلوك الإنساني:
المشكلة ليست في اختلاف الرأي، بل في الطريقة التي نعامل بها الآخر حين نختلف معه، وكيف تتحول الغطرسة أحيانًا إلى وسيلة لإذلاله بدل محاورته.

أحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى حادثة عظيمة كي يكتشف مقدار ما في النفوس من تواضع أو غرور؛ يكفيه مشهد عابر، كجثة كلب ميتة ممددة في الطريق، وحوار صغير بين أشخاص اختلفوا في النظر إليها، حتى تنكشف أشياء أكبر بكثير من الجثة ذاتها.
في القصة، لم تكن جثة الكلب هي القضية الحقيقية، ولم يكن السؤال عن وجودها أو بقائها في المكان هو جوهر الحكاية.
القضية الأعمق كانت في الطريقة التي تحدث بها أحدهم إلى الآخر، وفي تلك الغطرسة التي تجعل الإنسان يتعامل مع رأيه وكأنه حقيقة مطلقة، ومع الآخر وكأنه لا يستحق حتى أن يُخاطَب باحترام.

وبرأيي الاختلاف لا يُفسد العلاقة بين البشر، الذي يفسدها هو اعتقاد أحدهم أن اختلاف الآخر إهانة له.
حينها يتحول الحوار إلى معركة، والسؤال إلى استفزاز، والنصيحة إلى أمر، والرأي إلى سلاح.

ليس مطلوبًا منك أن توافقني كي أحترمك، كما أنني لست مضطرًا إلى تبني رأيك كي أحفظ لك كرامتك.
نحن لا نحتاج إلى التشابه كي نعيش معًا، بل نحتاج إلى أن نتعلم كيف نختلف دون أن نجرح بعضنا.
هناك أشخاص حين يشعرون أن حجتهم ضعيفة، يرفعون أصواتهم. وحين يعجزون عن الإقناع، يلجؤون إلى التقليل من شأن الآخر.
وحين لا يجدون جوابًا، يستبدلون الحجة بالغطرسة.
وكأنهم يظنون أن ارتفاع الصوت يمنح الرأي قيمة، وأن قسوة العبارة تمنح صاحبها قوة.
لكن القوة الحقيقية لا تحتاج إلى استعراض.
الإنسان الواثق من فكرته يستطيع أن يقول: أختلف معك دون أن يقول: عب أنت لا تفهم .
ويستطيع أن يرفض رأيًا دون أن يهين صاحبه، وأن يضع حدودًا دون أن يمارس الابتزاز النفسي أو الأخلاقي.

فليس كل اختلاف معركة، وليس كل رفض إهانة، وليس كل صمت ضعفًا.

وأحيانًا يكون أرقى ما يستطيع الإنسان فعله حين يواجه شخصًا مستفزًا هو ألا يمنحه المعركة التي يبحث عنها.
إن احترام الآخر لا يعني أن نوافقه دائمًا، بل يعني أن نعترف بحقه في أن يكون مختلفًا.
فالكرامة الإنسانية لا تُجزّأ بحسب مقدار اتفاقنا مع صاحبها.
نحن نحترم الإنسان لأنه إنسان، لا لأنه يفكر بالطريقة التي نريدها.

ولعل أجمل ما في هذه الحكاية أن جثة الكلب بقيت صامتة، بينما كان البشر يتحدثون عنها
كانت هي الأكثر صدقًا في المشهد كله.
لم تكن بحاجة إلى الدفاع عن نفسها، ولا إلى إثبات شيء، ولا إلى إهانة أحد.
وهنا تكمن المفارقة: أحيانًا يكون الإنسان حيًّا بجسده،
لكنه يميت شيئًا من إنسانيته حين يتحدث مع الآخرين بغرور .
وقد تكشف حادثة بسيطة جدًا مقدار ما نحتاجه من أدب الحوار، ورحابة الصدر، والقدرة على الاختلاف.

لا تبتزّ الآخر باحترامك له،
ولا تجعل القسوة وسيلة لإثبات قوتك.
لا تحاصر المختلف معك بالسخرية، ولا تدفعه إلى الصمت لأنه لا يملك القدرة أو الرغبة في مجاراتك في حدّة الكلام.

كن قويًا بما يكفي لتسمع ما لا يعجبك، وهادئًا بما يكفي لتجيب دون أن تؤذي، وواثقًا بما يكفي لتقول: ربما أكون مخطئاً.

فالإنسان لا يُقاس فقط بما يعرف، وإنما أيضًا بالطريقة التي يستخدم بها ما يعرفه.
وقد نربح نقاشًا بكلمة جارحة،
لكننا نخسر إنسانًا بكلمة واحدة.
وفي النهاية،
ليست الحكمة أن تجعل الآخر يشعر بصِغَرِه كي تشعر أنت بكِبَرِك.
فالحوار الذي يحتاج إلى إهانة كي ينتصر، لم يكن حوارًا منذ البداية.

في الختام
جثّة الكلب لم تكن هي الممدّدة على قارعة الطريق،
بل كان المشهد مرآةً ممدّدة أمام السلوك الإنساني،
تكشف ما تخفيه النفوس خلف الكلمات.
فما أوجع أن يموت الجسد مرة،
بينما يموت الاحترام في الإنسان كلما ظنّ أن الغطرسة أقصر طريقٍ إلى الانتصار.

 اقرأ أيضا – الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: قراءة في ديوان « لاهدنة للماء» للشاعر توفيق أحمد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى