الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: وظائف منتهية
لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد فكرة خيالية نراها في أفلام المستقبل، ولا تقنية حبيسة معامل الأبحاث وشركات التكنولوجيا الكبرى، بل أصبح واقعًا يطرق أبواب المهن واحدة تلو الأخرى، ويفرض نفسه على أسواق العمل، ويعيد تشكيل مفهوم الوظيفة والإبداع والإنتاج. وبينما يفتح هذا التطور آفاقًا هائلة لتسهيل حياة البشر ورفع كفاءة العمل، فإنه يحمل في طياته تهديدًا حقيقيًا لملايين الوظائف التي اعتاد أصحابها أن يمارسوها لسنوات طويلة باعتبارها مصدر رزقهم وهويتهم المهنية.
السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس: هل سيغير الذكاء الاصطناعي سوق العمل؟ بل: من سيكون مستعدًا عندما تتغير قواعد اللعبة؟
عندما يصبح الذكاء الاصطناعي منافسًا للمبدعين
في الماضي، كان تصميم إعلان احترافي يحتاج إلى مصمم يمتلك الموهبة والخبرة، ويقضي ساعات طويلة أمام برامج التصميم حتى يصل إلى النتيجة المطلوبة. أما اليوم، فيمكن لأدوات الذكاء الاصطناعي أن تنتج عشرات التصورات البصرية في دقائق معدودة، وأن تعدّل الصور، وتقترح الألوان، وتنفذ أفكارًا كان إنجازها يتطلب فريقًا كاملًا.
وفي مجال التلحين والموسيقى، أصبحت الآلات قادرة على إنتاج ألحان وتوزيعات موسيقية ومؤثرات صوتية، بل وتأليف مقطوعات تناسب مشاهد درامية أو إعلانات تجارية، دون الحاجة في كل مرة إلى الاستعانة بملحن أو موزع موسيقي بالمعنى التقليدي للعمل.
أما الرسم، فقد دخل مرحلة جديدة؛ إذ تستطيع الأنظمة الذكية إنتاج لوحات وصور وشخصيات وخلفيات فنية انطلاقًا من وصف مكتوب لا يتجاوز بضعة أسطر. وهو ما يضع الرسام والمصور والمصمم أمام منافسة لم تكن موجودة بهذه الصورة من قبل.
ولعل الأخطر أن هذه التحولات لم تعد مقتصرة على المهن الفنية وحدها، بل امتدت إلى الترجمة، وكتابة المحتوى، وإعداد التقارير، وخدمة العملاء، وإدخال البيانات، وبعض المهام الإدارية والمحاسبية وغيرها من الأعمال التي يمكن تحويلها إلى عمليات رقمية مؤتمتة.
إننا أمام ثورة لا تكتفي بتطوير أدوات العمل، بل قد تجعل بعض الوظائف أقل طلبًا، وتقلص فرص العاملين فيها، وتفرض على المؤسسات إعادة النظر في أعداد موظفيها وتوزيع مهامهم.
الدراما التلفزيونية في مرمى التغيير
وبصفتي إعلاميًا ومخرجًا تلفزيونيًا، أرى أن صناعة الدراما من أكثر المجالات التي تستحق التوقف أمام ما يحدث فيها.
لقد كانت صناعة المسلسل التلفزيوني تتطلب كاتبًا ينسج الحكاية، ومؤلفًا يطور الشخصيات، ومخرجًا يحول الكلمات إلى صور، ومصممي ديكور وملابس، ومصورين، ومونتيرين، ومهندسي صوت، ومؤلفين موسيقيين، وفنيين يعملون خلف الكاميرات، إلى جانب الممثلين وفريق الإنتاج.
أما اليوم، فقد أصبحت أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على المساعدة في كتابة السيناريوهات، واقتراح الحبكات، وتصميم الشخصيات، وتوليد خلفيات افتراضية، وتحريك الصور، وإنشاء أصوات اصطناعية، والمساهمة في المونتاج وتصحيح الألوان والمؤثرات البصرية.
ومع استمرار تطور هذه الأدوات، قد تتمكن بعض شركات الإنتاج من إنجاز مواد درامية وإعلانية بتكاليف أقل، وبأعداد محدودة من العاملين، مقارنة بما كان مطلوبًا في السابق.
وهنا تكمن المشكلة؛ فالتطور لا يعني بالضرورة اختفاء المخرج أو الكاتب أو الممثل في الغد القريب، لكنه قد يؤدي إلى اختفاء بعض المهام التقليدية، وانكماش فرص العمل المتاحة، وتراجع الطلب على تخصصات بعينها.
وقد يجد خريج معهد السينما أو كلية الإعلام نفسه أمام سوق لا يحتاج إلى العدد نفسه من العاملين الذين كان يحتاج إليهم قبل سنوات قليلة.
إن الخطر الحقيقي ليس أن يحل الذكاء الاصطناعي محل الإنسان في كل شيء، بل أن يستطيع إنجاز جزء كبير من عمله بتكلفة أقل وفي وقت أقصر، فيصبح الإنسان الذي لم يطور مهاراته أقل قدرة على المنافسة.
وظائف قد تنقرض.. وأخرى ستولد
علينا أن نفرق بين اختفاء المهنة بالكامل وتراجع الحاجة إلى بعض مهامها. فليس كل مصمم سيصبح بلا عمل، وليس كل ملحن سيفقد مكانه، وليس معنى تطور الإنتاج الدرامي أن المخرجين والممثلين سيختفون.
لكن من المؤكد أن طبيعة العمل تتغير، وأن بعض الوظائف الروتينية والمتكررة أكثر عرضة للأتمتة من غيرها. كما أن المؤسسات قد تحتاج مستقبلًا إلى عدد أقل من العاملين لتنفيذ المهمة نفسها، بينما ستظهر وظائف جديدة في تطوير الأنظمة الذكية، وإدارتها، ومراجعة مخرجاتها، والإشراف على استخدامها.
ومن هنا، فإن الخاسر الأكبر لن يكون بالضرورة صاحب المهنة القديمة، وإنما من يصر على ممارسة مهنته بالطريقة القديمة، ويرفض الاعتراف بأن العالم من حوله قد تغير.
لقد اعتدنا أن نقول إن الخبرة وحدها تصنع النجاح، لكن الخبرة التي لا تتجدد قد تتحول إلى عبء، والموهبة التي لا تتطور قد تفقد قدرتها على المنافسة.
رسالتي إلى أصحاب المهن المهددة
إلى المصمم الذي يخشى أن تسحب منه البرامج الذكية عملاءه، وإلى الرسام الذي يرى لوحاته تُنتج في ثوانٍ، وإلى الملحن الذي يشعر بأن الآلة اقتحمت عالمه، وإلى كاتب السيناريو والمخرج والمونتير والمصور وكل صاحب مهنة يعتقد أن مستقبله أصبح مهددًا:
لا تنتظروا حتى تختفي فرص العمل لتبدأوا البحث عن بدائل. استعدوا من الآن!
تعلموا أدوات الذكاء الاصطناعي، واجعلوها جزءًا من مهاراتكم بدلًا من النظر إليها باعتبارها عدوًا لا يمكن مواجهته. فالمصمم الذي يتقن استخدام هذه الأدوات قد ينجز أعمالًا أكثر في وقت أقل، والمخرج الذي يوظفها في التحضير البصري والمعالجة الفنية قد يطور قدراته، والكاتب الذي يستخدمها للبحث وتوليد الأفكار ومراجعة النصوص يستطيع أن يختصر بعض المراحل، مع احتفاظه بمسؤوليته عن أصالة العمل وجودته.
لكن لا تكتفوا بتعلم الأدوات فقط؛ فكروا أيضًا في تطوير مهارات يصعب اختزالها في عملية آلية، مثل التفكير النقدي، والقدرة على اتخاذ القرار، وفهم الجمهور، والإدارة الإبداعية، والتواصل الإنساني، والابتكار الحقيقي.
وإذا كانت مهنتكم مهددة بالفعل، فابدؤوا في اكتشاف مهنة قريبة منها، يمكن أن تنقلوا إليها خبراتكم. فالمصمم يستطيع أن يتجه إلى إدارة الهوية البصرية والإشراف الإبداعي، والمصور يمكنه التوسع في إنتاج المحتوى، والمونتير يستطيع تطوير مهاراته في الإشراف على المعالجة البصرية، وكاتب الدراما يمكنه التخصص في تطوير المشروعات والإشراف على النصوص ومراجعة المحتوى المنتج بالذكاء الاصطناعي.
أما من يملك خبرة طويلة ولا يرغب في تغيير تخصصه بالكامل، فبإمكانه تحويل خبرته إلى التدريب والاستشارات ونقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.
والأهم من ذلك كله أن يبدأ كل إنسان في بناء مصدر دخل بديل أو مهارة إضافية قبل أن يجد نفسه مضطرًا إلى ذلك تحت ضغط الظروف.
هل نتوقف عن الإبداع لأن الآلة أصبحت مبدعة؟
بالطبع لا.
فالذكاء الاصطناعي يستطيع إنتاج صورة مبهرة، لكنه لا يملك بالضرورة التجربة الإنسانية التي تمنح الصورة معناها. ويمكنه كتابة مشهد درامي، لكن تحويله إلى عمل يعيش في وجدان الجمهور يتطلب فهمًا عميقًا للنفس البشرية والسياق الاجتماعي والثقافي. كما يمكنه تأليف لحن، لكن القيمة الفنية لا تُقاس بعدد النغمات وحدها، بل بالأثر الذي يتركه العمل في الإنسان.
ومع ذلك، لا ينبغي أن نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن الموهبة الإنسانية وحدها ستكون كافية لحماية أصحابها من المنافسة. فالسوق لا يكافئ الموهبة دائمًا، بل يتأثر أيضًا بالتكلفة والسرعة والطلب والقدرة على التكيف.
لذلك، فإن الرهان الحقيقي هو الجمع بين الخبرة الإنسانية والتكنولوجيا، لا تجاهل التكنولوجيا ولا الاستسلام لها.
وهناك مسؤولية لا يجوز إغفالها تقع على عاتق الحكومات والمؤسسات التعليمية والنقابات المهنية وشركات الإنتاج؛ إذ ينبغي أن تستعد لتأهيل العاملين، وتوفير برامج لإعادة التدريب، وحماية الحقوق الفكرية، ووضع ضوابط لاستخدام الأعمال والأصوات والصور البشرية في الأنظمة الذكية، حتى لا يتحول التطور التقني إلى وسيلة لإهدار حقوق المبدعين أو الاستغناء عنهم دون بدائل عادلة.
لا تنتظروا جنازة وظائفكم
إننا نعيش مرحلة انتقالية قد تعادل في تأثيرها التحولات الكبرى التي شهدها العالم مع ظهور الآلات الصناعية ثم الحاسوب والإنترنت. والفرق أن ما كان يحتاج عقودًا كي يتغير، قد يحدث اليوم في سنوات قليلة، وربما في شهور داخل بعض التخصصات.
ولهذا أقول لكل شاب يختار مستقبله المهني، ولكل موظف يقترب من منتصف حياته العملية، ولكل فنان أو إعلامي أمضى عمره في مهنة يحبها: لا تبنِ مستقبلك على افتراض أن العالم سيظل كما تعرفه اليوم
تعلم باستمرار، وراقب سوق العمل، وامتلك أكثر من مهارة، ولا تجعل مصدر رزقك معتمدًا على طريقة واحدة قد تصبح قديمة غدًا.
فبعض الوظائف لن تموت فجأة، بل ستتراجع فرصها تدريجيًا، حتى يستيقظ أصحابها ذات يوم ليكتشفوا أن السوق لم يعد ينتظرهم.
ولا أريد من هذه الكلمات أن أزرع الخوف، وإنما أن أدق ناقوس التنبيه قبل فوات الأوان. فالتغيير قادم، ومقاومته بالشعارات لن توقفه، لكن الاستعداد له قد يمنحنا فرصة حقيقية للاستمرار.
إن الذكاء الاصطناعي قد ينهي وظائف، ويغير مهنًا، ويفتح أبوابًا جديدة. أما نحن، فعلينا أن نقرر: هل نكون ضحايا هذا التحول، أم نمتلك أدواته ونصنع لأنفسنا مكانًا في المستقبل؟
استعدوا للتغيير قبل أن يفرض نفسه عليكم؛ فالمهنة التي لا تتطور قد تصبح ذكرى، والخبرة التي لا تتجدد قد تتحول إلى تاريخ، أما الإنسان الذي يتعلم فلا تنتهي فرصه بسهولة.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا– الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: غرس العلم في قلب بارليف



