توبكُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: أكتوبر الذي كبر معنا

حين أعود اليوم إلى أكتوبر، أراه بذاكرة طفلة ووعي امرأة.

كنت طفلة مصرية أعيش في الكويت حين اندلعت حرب أكتوبر عام 1973. لم أكن أعرف تفاصيل المعركة، ولا أفهم ما يدور في غرف القيادة، لكنني كنت أسمع أخبار الحرب وأرى فرحة من حولي بانتصار مصر.

مرت السنوات.

كبرت، وكبرت معي صورة أكتوبر.

ومع كل ما قرأته عن تلك الأيام، لم يعد السادس من أكتوبر بالنسبة لي مجرد يوم عبرت فيه القوات المصرية قناة السويس، وإنما لحظة اجتمعت فيها عناصر كثيرة صنعت واحدة من أهم صفحات تاريخنا الحديث.

وهنا أتوقف عند أنور السادات؛ القائد الذي تحمل مسؤولية القرار، والإنسان الذي عاش سنوات ما بعد يونيو 1967 وهو يدرك أن مصر لا يمكن أن تبقى أسيرة للهزيمة.

ولم يكن أكتوبر حكاية رجل واحد.

كان وراء القرار جيش استعد وخطط، وقيادات عملت لسنوات، وخبرات تراكمت، وجنود تدربوا وحملوا عبء المواجهة، وأجهزة عملت في صمت، وشعب عاش سنوات الحرب والاستنزاف وانتظر لحظة العبور.

كان كل ذلك جزءًا من المشهد.

ولعل قيمة أكتوبر الحقيقية أن النصر لم يكن وليد لحظة واحدة، وإنما نتيجة عمل طويل جمع بين القرار والتخطيط والإعداد والتنفيذ.

حتى التكنولوجيا كانت حاضرة في المعركة، ولكن بأدوات عصرها.

كانت حرب أكتوبر ابنة عصرها؛ استخدمت ما كان متاحًا آنذاك من تكنولوجيا الاتصالات والاستطلاع والحرب الإلكترونية، لكن التكنولوجيا لم تكن وحدها هي التي صنعت النصر.

فالحرب الإلكترونية المصرية، التي بدأ تشكيل وحداتها قبل الحرب بسنوات، شاركت في الاستطلاع والتشويش على اتصالات العدو، وأصبحت أحد عناصر الإعداد للمعركة وتنفيذها. (المركز المصري للفكر والدراسات)

لكن التكنولوجيا تظل أداة.

أما الذي يحول الأدوات إلى قدرة حقيقية فهو الإنسان؛ بعلمه وتدريبه وقدرته على التخطيط وحسن استخدام ما يملكه.

وهنا يعود بنا أكتوبر إلى السادات مرة أخرى.

فمن قراءة ما كتبه عن تلك المرحلة، ومن متابعة قراراته وخطابه بعد الحرب، يبدو واضحًا أنه لم ينظر إلى المعركة باعتبارها مواجهة عسكرية فقط، وإنما باعتبارها معركة دولة كاملة، تحتاج إلى إعداد سياسي واقتصادي ومجتمعي إلى جانب الإعداد العسكري. وقد تحدث في مذكراته عن الاستعداد للدولة كلها للحرب، وليس للقوات المسلحة وحدها. (الشروق نيوز)

وربما لهذا استطاع أن يجعل لحظة العبور أكبر من حدود الميدان.

فالمصريون الذين عاشوا سنوات الهزيمة والاستنزاف، وجدوا أنفسهم أمام مشهد مختلف؛ جيش يعبر، وأرض تستعاد، وبلد يستعيد قدرته على الفعل.

وهنا أفهم، بعد كل هذه السنوات، لماذا بقي أكتوبر حاضرًا في الذاكرة المصرية بكل هذه القوة.

لقد كنت طفلة حين جاء أكتوبر، ولم أكن أعرف يومها تفاصيل ما يحدث.

لكنني كبرت، وقرأت، وتأملت، وأصبحت أراه من زاوية أخرى.

لم يعد مجرد حدث عسكري في كتاب التاريخ، وإنما لحظة غيّرت صورة مصر في عيون أبنائها، وتركت أثرًا ظل ينتقل معنا من جيل إلى جيل.

وربما لهذا، بعد أكثر من نصف قرن، ما زال أكتوبر يكبر معنا.

فالأوطان لا تعيش فقط بما تحققه في ساحات المعارك، وإنما بما تتركه انتصاراتها من ثقة في قدرة أبنائها على تجاوز المستحيل.

كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.

اقرأ أيضا– نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: حين تعزف القوى الناعمة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى