الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: من الطفولة إلى النضج.. تعامل العقل مع الصدمات
الصدمات ليست مجرد ذكريات مؤلمة تُخزَّن في الذاكرة، بل هي أحداث تهزّ البنية العصبية في الدماغ، فتترك آثارًا عميقة على التفكير، العاطفة، والسلوك.
حين يمر الطفل بتجارب قاسية، أو يعيش في بيئة تخلو من الحنان والحب والدعم العاطفي (Support)، فإن دماغه يتشكل بطريقة مختلفة عمّن حظي باحتضان ورعاية.
الطفل والحرمان العاطفي
الطفل الذي لا يتلقى الحنان، يعيش في حالة من التوتر المزمن، هرمونات الكورتيزول والأدرينالين تظل مرتفعة في جسده، كأنّه دائمًا في حالة طوارئ.. هذا الاضطراب يؤثر مباشرة على:
- الحُصين (Hippocampus): المسؤول عن الذاكرة والتعلم، فيضعف نموه.
- اللوزة الدماغية (Amygdala): فتزداد حساسيتها للمخاوف والتهديدات.
- قشرة الفص الجبهي (Prefrontal Cortex): المسؤولة عن اتخاذ القرار وضبط السلوك، فتتأثر قدرتها على التنظيم والتحكم.
النتيجة: طفل قلق، سريع الانفعال، يجد صعوبة في الثقة بالآخرين، وغالبًا يعاني من فراغ داخلي.
ماذا يحدث عند الكِبر؟
حين يكبر هذا الطفل، قد يتحول الحرمان العاطفي إلى:
- اضطرابات في العلاقات (خوف من الهجر، أو التعلق المرضي).
- صعوبة في التعبير عن المشاعر أو فهمها.
- ميول إلى الاكتئاب أو القلق المزمن.
- تكرار أنماط الطفولة في حياته الزوجية أو المهنية، كأنه يعيد القصة بلا وعي.
متى تبدأ الصدمات؟
تبدأ الصدمات في أي مرحلة من النمو، لكن أخطرها ما يحدث في السنوات الأولى (0–6 سنوات) حيث يكون الدماغ في أوج تشكّله. الطفل في هذه المرحلة لا يملك أدوات عقلية لفهم الألم، فيخزّنه كخوف داخلي أو شعور بعدم الأمان.
هل العلاج ممكن؟
نعم، العلاج ممكن مهما تأخر الوقت.. فالعقل البشري يمتاز بقدرة مذهلة تُسمى المرونة العصبية (Neuroplasticity)، أي إعادة بناء شبكاته العصبية عبر الخبرات الجديدة. العلاج النفسي يساعد على:
- فهم الجذور العاطفية للصدمات.
- تعلم مهارات للتنظيم الانفعالي.
- بناء علاقة علاجية آمنة تعوّض عن الحرمان المبكر.
كيف يكون العلاج؟
- العلاج بالكلام (Talk Therapy): حيث يعبّر المريض عن مشاعره وتجربته.
- العلاج السلوكي المعرفي (CBT): لتصحيح الأفكار السلبية المرتبطة بالصدمة.
- العلاج الموجه للطفولة الداخلية: لإعادة بناء العلاقة مع “الطفل الداخلي” المجروح.
- الدواء: عند الحاجة، بإشراف طبيب نفسي، لتخفيف القلق أو الاكتئاب.
ضرورة استشارة مختص
الأهم أن لا يحاول الإنسان مواجهة الصدمة وحده.. الصدمات مثل الجروح العميقة، تحتاج إلى يدٍ خبيرة تعرف كيف تنظفها وتعالجها. لذلك، استشارة مختص في علم النفس أو الطب النفسي ضرورة، لا رفاهية، كي لا تبقى الجروح العاطفية مفتوحة مدى الحياة.
ختاما
الطفل الذي يُحرم من الحب والحنان لا ينسى أبدًا، بل يحمل جرحًا داخليًا يرافقه حتى الكبر. تنمو معه المخاوف والشكوك، وتتشكل في عقله مسارات من القلق والاضطراب.
غير أنّ علم النفس يعلّمنا أن الجرح ليس قدرًا، وأن العقل قادر على إعادة البناء بفضل مرونته العجيبة.
الطريق إلى الشفاء يبدأ بالوعي، ويتعمق بالاعتراف بالألم، ولا يكتمل إلا بمد يدٍ خبيرة من مختص في علم النفس أو الطب النفسي، ليكون الماضي درسًا لا سجنًا، ولتتحول الصدمة من قيدٍ خفي إلى حافز للنمو والسلام الداخلي.
كاتبة المقال .. الإعلامية الدكتورة كريمة الشامي الجزائري … بروفيسورة في علم النفس – هيوستن.. الولايات المتحدة الأمريكية
اقرأ أيضا– الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: ما هو الخوف؟




