كُتّاب وآراء

خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: قمة العلمين.. مصر ترسم معادلة جديدة لأمن شرق المتوسط

لم تكن القمة الثلاثية بين مصر وقبرص واليونان، التى انعقدت فى مدينة العلمين على هامش افتتاح النسخة الثانية من معرض العلمين الدولى للطيران والفضاء، مجرد لقاء دورى بين ثلاث دول تربطها مصالح مشتركة، وإنما جاءت فى توقيت استثنائى، تفرض فيه التطورات المتسارعة فى الشرق الأوسط معادلات جديدة للأمن والسياسة والطاقة.

فى العلمين، بدا واضحًا أن القاهرة لا تنظر إلى شرق المتوسط باعتباره مجرد نطاق جغرافى، وإنما باعتباره أحد مفاتيح الأمن القومى والطاقة والاستقرار الإقليمى. وجاء انعقاد القمة فى قلب معرض دولى للطيران والفضاء ليمنح المشهد دلالة إضافية مفادها أن مصر التى تستضيف العالم فى العلمين، تتحرك فى الوقت نفسه لتأكيد حضورها السياسى والاستراتيجى فى محيطها الإقليمى.

القمة أكدت أن الشراكة المصرية اليونانية القبرصية تحولت خلال السنوات الماضية إلى نموذج للتعاون الإقليمى، ليس فقط فى المجالات السياسية والأمنية، وإنما كذلك فى الطاقة والاستثمار والتجارة والسياحة والتعليم والثقافة والهجرة. والأهم أن أمن الطاقة أصبح أحد أعمدة هذه الشراكة، بما يعزز موقع مصر كمركز إقليمى مهم فى منظومة الطاقة بشرق المتوسط، مستفيدة من بنيتها التحتية وقدراتها فى استقبال ومعالجة وتصدير الغاز، ومن موقعها الجغرافى الذى يربط شرق المتوسط بالأسواق الأوروبية.

لكن الرسالة الأبرز للقمة لم تكن اقتصادية فقط؛ فقد حملت مضمونًا سياسيًا واضحًا تجاه أزمات المنطقة. وفى مقدمتها القضية الفلسطينية، حيث جددت الدول الثلاث دعمها للحقوق المشروعة للشعب الفلسطينى، وتمسكها بحل الدولتين، وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشرقية، وفق قرارات الأمم المتحدة.

كما رفض الإعلان المشترك محاولات الفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة، وأكد رفض سياسات التهجير القسرى للفلسطينيين، وهو موقف يتلاءم بصورة مباشرة مع الرؤية المصرية التى حذرت منذ بداية الأزمة من تصفية القضية الفلسطينية عبر التهجير أو تغيير التركيبة الجغرافية والديموغرافية للأراضى الفلسطينية.

ومن غزة إلى لبنان، جاءت رسالة العلمين واضحة: لا استقرار فى المنطقة مع استمرار الاعتداءات على الدول وسيادتها. فقد أكدت القمة ضرورة وقف جميع الهجمات ضد لبنان وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضى اللبنانية، مع دعم مؤسسات الدولة اللبنانية، وفى مقدمتها الجيش اللبنانى، حتى يتمكن من بسط سلطة الدولة وسيادتها على كامل الأراضى اللبنانية.

أما ليبيا، فقد حضرت باعتبارها قضية أمن إقليمى تمس بصورة مباشرة دول المتوسط. وأكدت القمة دعم سيادة ليبيا ووحدة أراضيها ووحدتها الوطنية، والدفع نحو مسار سياسى شامل بعيدًا عن التدخلات الأجنبية، مع الدعوة إلى انسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة وإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.

وهنا تتضح أهمية الدور المصري؛ فالقاهرة لا تتعامل مع أزمات المنطقة باعتبارها ملفات منفصلة، وإنما باعتبارها حلقات متصلة فى منظومة أمن واحدة تبدأ من المتوسط ولا تنتهى عند حدود غزة أو ليبيا أو لبنان.

قمة العلمين كانت رسالة سياسية بقدر ما كانت لقاءً دبلوماسيًا. رسالة تؤكد أن مصر تملك من أوراق القوة الجغرافية والسياسية والاقتصادية والطاقة ما يجعلها طرفًا رئيسيًا فى صياغة مستقبل شرق المتوسط، وأن القاهرة تريد أن تكون جزءًا من صناعة الحلول وليس مجرد متفرج على تداعيات الأزمات.

واللافت أن القمة انعقدت فى العلمين، المدينة التى تحولت خلال السنوات الأخيرة إلى واجهة مصرية عالمية، وفى توقيت يتزامن مع معرض يجمع صناعات الطيران والفضاء والدفاع والتكنولوجيا. وبين رمزية المكان ودلالات الحدث ومضمون الإعلان، بدت الصورة مكتملة: مصر تتحرك على أكثر من جبهة، وتبنى شبكة من الشراكات، وتدافع عن ثوابت الأمن القومى، وتسعى فى الوقت نفسه إلى تثبيت موقعها كقوة رئيسية فى شرق المتوسط.

وفى هذه المعادلة، تبدو القاهرة أمام اختبار جديد: كيف تحول ثقلها السياسى والجغرافى ومواردها فى الطاقة وشبكة علاقاتها الإقليمية والدولية إلى نفوذ مستدام قادر على التأثير فى مستقبل المنطقة.

Khalededrees2020@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى