توبكُتّاب وآراء

د. عصام قمر يكتب لـ«30 يوم»: زيارات المحافظين..والواقع الأليم

تخيل أن تكتشف الدولة، قبل ساعات من بدء الدراسة، أن بعض مدارسها لا تملك حتى الحد الأدنى من مقومات استقبال الطلاب.. ثم تقرر في الوقت نفسه زيادة عدد أيام الدراسة!
هذه ليست مبالغة ولا مشهدًا من فيلم ساخر..إنها المفارقة التي يضعنا أمامها واقع المدارس الحكومية، كما تكشفه جولات المحافظين قبيل بداية العام الدراسي.
فالكاميرات التي رافقت هذه الجولات لم تنقل فقط تصريحات المسؤولين وتوجيهاتهم، وإنما كشفت ما هو أخطر: مبانٍ تحتاج إلى صيانة، مرافق متهالكة، دورات مياه في أوضاع مؤسفة، وتجهيزات وإمكانات شديدة التواضع أمام احتياجات ضخمة ومتراكمة.
وبعيدًا عن أسلوب المحافظ في التعامل مع مديري المدارس والإدارات التعليمية، فإن القضية الأساسية واضحة: هناك عجز وقصور لا يمكن دفنهما تحت ركام التصريحات.
“بلغنا”.. ثم ماذا؟
مدير المدرسة يقول: أبلغنا..مدير الإدارة يقول: خاطبنا..والجهة الأعلى تقول: نتابع.
ثم تبدأ الدراسة.. وتبقى المشكلة!
فالإبلاغ ليس إنجازًا، والمكاتبات ليست إصلاحًا، والتقارير لا تصلح مبنى ولا توفر مياهًا ولا تجعل دورة مياه صالحة للاستخدام.
المواطن يريد نتيجة، لا ملفًا مليئًا بالمكاتبات.
إمكانات هزيلة و روتين قاتل..الحقيقة أن المدارس الحكومية تعاني احتياجات تفوق الإمكانات المتاحة، بينما يلتهم الروتين الإداري وقتًا ثمينًا كان يفترض أن يذهب إلى الحل.
مشكلة تحتاج إلى إصلاح عاجل تتحول إلى مخاطبات وموافقات ولجان،
هنا لا يصبح الروتين مجرد عائق.. بل يصبح شريكًا في استمرار المشكلة.
و بالرغم من كل ذلك و وسط هذا الواقع، تأتي توجيهات وزير التربية والتعليم بزيادة عدد أيام العام الدراسي..أي منطق هذا؟
كيف نطلب من مدارس تعاني أصلًا من ضعف الإمكانات والمرافق أن تعمل أيامًا إضافية، قبل أن نوفر لها أولًا شروط العمل الأساسية؟
زيادة أيام الدراسة قرار غير مدروس، و القرارات لا تُقاس بالنوايا وإنما بقدرة الواقع على تنفيذها.
فالمدرسة ليست فصلًا وسبورة فقط؛ إنها مياه وكهرباء ونظافة ودورات مياه وصيانة ومقاعد وأمن وتجهيزات.
المشكلة أننا أصبحنا نجيد إصدار القرارات أكثر من توفير متطلبات تنفيذها.
نعلن الجاهزية، فتفضحنا الصور. نتحدث عن التطوير، فترد علينا حالة المدارس. ثم نضيف أعباء جديدة إلى منظومة تعاني أصلًا من الإنهاك إن لم يكن الهلاك.
التعليم لا يُصلح بالتصريحات، ولا تُدار المدارس بالتوجيهات وحدها.
نريد إمكانات حقيقية، وصيانة مستمرة، وإجراءات سريعة، وصلاحيات واضحة ومحاسبة فعلية.
أما أن نترك المدرسة عاجزة ثم نطالبها بالمزيد، فهذه ليست خطة لتطوير التعليم.
إنها ببساطة.. قرارات من فوق، وإمكانات من تحت، والطالب هو من يدفع الثمن ثم الأسرة ثم المجتمع بأكمله.

 اقرأ أيضا– د. عصام قمر يكتب : اللاجئون في مصر… عبء يتصاعد أم إدارة غائبة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى