الإعلامي حمدي رزق يكتب: موظف الشباك.. خليك بارد
احتراز وجوبى، هذه السطور فى حق من يستحق من موظفى الشباك، فى حق المجتهدين الذين يقضون حاجات الناس ولا يُتبعون خدماتهم منًّا ولا أذى، ولا يطلبون منهم جزاءً ولا شكورًا.
موظف الشباك، موظف الخدمات الأمامية، الشخص المسؤول عن استقبال الجمهور، وتقديم الخدمات المباشرة، وتسلم المستندات وإنهاء المعاملات الإدارية أو المالية عبر نافذة أو شباك الخدمة فى المؤسسات الحكومية والهيئات والشركات.
كان الله فى عون موظفى الشباك، الله يعينهم على ما بلاهم، التعامل مع الجمهور صار صعبًا، منسوب العصبية مرتفع، ومخزون الصبر شارف على النفاد.
كم الضغوط التى يتعرض لها موظفو الشباك فى المؤسسات والهيئات والمصالح الحكومية والخاصة، يجعلك كطالب خدمة، كإنسان، ترق لحالهم، وتترفق بهم، وتصبر عليهم، وتقف منهم موقفًا منصفًا.
طابور طويل من طالبى الخدمة ينتظره من طلعة الفجر، وموظف صاحى من النجمة، لينكب على تخليص الورق وإنهاء الإجراءات، ربما فتح الشباك على لحم بطنه، من غير فطور ولا سحور، ومقرر عليه تلبية الطلبات جميعًا، والوقت ينفد، وطالب الخدمة على قلق كأن الريح تحته.
موظف الشباك يجتهد ما استطاع إليه سبيلًا، لا يكاد يرفع رأسه ليرى وجه طالب الخدمة، عينه فى الورق، أو حتى تسنح له فرصة يتبادل مع طالبى الخدمات السلام أو تحية الصباح، أو الابتسام فى وجوههم لوجه الله، فقط يكمل البيانات، ويراجع الطلبات، ويحقق التوقيعات، واللى بعده.
موظف الشباك مرتبه محكوم بالدرجة، والناس درجات، وحوافزه ومكافأته لا تكاد تكفى حاجاته، وضغوط الحياة، وكلفة المعيشة تضغط على أعصابه، والجو حر، والمكان خنقة، والطلبات لا تنتهى، والهمهمات تصك أذنيه، والتأفف زفرات تحمل زهقًا ونفاد صبر، ويجتهد فى إنجاز الأعمال، والمدير وأصحاب الطلبات فوق رأسه، حتى الذهاب إلى دورة المياه يحمل مغبة، باتت أمنية، وكلمة جارحة قد تصيبه بالدوار.
ومطلوب منه الصمت البليغ، وابتسامة متكلفة، وصبر على نفاد الصبر، ومعالجة التأفف بحاضر ونعم، ومن عينى، وحالًا، وفورًا، وطلباتك أوامر. وإذا تأفف من ضغط العمل، أو صدرت منه زفرة ضيق، أو نفد صبره، أو تململ، يا ويله ويا سواد ليله، فوق رأسه وحط، زعيق وشخط ونطر، فإذا رد مدافعًا عن كرامته الشخصية، مجرد الرد ما يسبق فقد الأعصاب، الموبايلات جاهزة لتصويره وضبطه بالفعل المشهود، وعليه شهود وشير، وافضحه وجرسه.
وعقابه الخصم إذا ترفق به المحققون، والمصلحة لا ترحم، والمدير يتجنب الفضايح، والزملاء حذرون من مغبة التضامن معه، لقد أتى أمرًا إِدًّا، يتركونه وحيدا فى مواجهة طابور يصدر ضجيجا وصياحا مخيفا، الكل يخشى كاميرات الموبايلات.. ستكلّفهم كثيرا.
كيف يفقد موظف الشباك أعصابه وهى موضوعة فى ثلاجة، كيف يفقد صبره والاحتياطى الاستراتيجى من الصبر يملأ خزاناته النفسية، وكيف يتجاوز المقام، ويطلب معاملة حسنة من طالب الخدمة، وإذا حدث فعلى طريقة «حسنة وأنا سيدك».
حالة موظفى الشباك فى الخدمات الأمامية صارت مزرية، وباتوا مستهدفين بالموبايلات، مشرعة فى الوجوه، ومطلوب منهم الخرس التام، والصبر على الأذى، والخدمة، خدمة العبد للسيد، ولن يرضى عنهم أصحاب الطلبات والحاجات، ولو أضاءوا أصابعهم شمعا، واللوائح تلزمهم حسن المعاملة، والملاطفة، وترضية الزبون، والزبون دومًا على حق، يشخط، ينطر، يتأفف، يلعن، يسب، والنصيحة خليك بارد، وكل يوم من ده، وكأن موظف الشباك مكتوب عليه الذلة والمسكنة، عبد فى خدمة سيده، والرضا يرضى.. لكنه أبدًا لا يرضى لو أكلته لحم الكتوف.
اقرأ أيضا- الإعلامي حمدي رزق يكتب: جزار الإخوان يكذب ويتجمل!




