كُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: فارس بلا جواد

أحيانًا لا تكشف لنا واقعة واحدة مشكلة بعينها، بقدر ما تكشف خللًا يحتاج إلى أن ننظر إليه من زاوية أوسع.

والحديث المتداول عن قبول طلاب في بعض كليات الطب بمجموع يقترب من 50%، وما أثاره من اعتراضات، يمكن أن يكون مدخلًا لهذا النقاش، لكنني لا أراه قضية تخص كلية الطب وحدها، ولا أرى أن الحل يكمن في رفض منح الطالب فرصة أخرى لمجرد أن مجموعه لم يؤهله للالتحاق بكلية حكومية.

القضية أعمق:

كيف نحدد من يستحق فرصة الالتحاق بتخصص معين؟

وهل ما زال «المجموع» وحده قادرًا على أن يكون المعيار العادل والكافي لاختيار الطالب وتحديد مستقبله؟

من الطبيعي أن تختلف الحدود الدنيا للقبول بين الجامعات الحكومية والأهلية والخاصة، فلكل منها ظروفها وإمكاناتها ونظمها.

لكن الاختلاف شيء، والفجوة الكبيرة شيء آخر.

قد يكون من المقبول أن يجد الطالب فرصة للالتحاق بكلية مناظرة في جامعة أهلية أو خاصة إذا لم يسعفه مجموعه للالتحاق بنظيرتها الحكومية، لكن هل من المنطقي أن تكون الفروق بين الحدود الدنيا للقبول في تخصص واحد كبيرة إلى هذا الحد؟

عندما يكون الفارق محدودًا، يمكن تفهمه باعتباره اختلافًا في نظم القبول والطاقة الاستيعابية.

أما عندما تتسع الفجوة إلى أكثر من عشرين نقطة مئوية، فإن السؤال يصبح مشروعًا:

هل نحن أمام اختلاف في الفرصة، أم اختلاف في معيار الاستعداد نفسه؟

وهنا يجب أن ننتبه إلى أن الطالب ليس مجرد رقم.

فالمجموع يخبرنا بما حققه الطالب في مرحلة تعليمية معينة، لكنه لا يخبرنا وحده بكل شيء عن قدرته على النجاح في تخصص اختاره، ولا عن مدى استعداده لمتطلباته.

وهذا يأخذنا مباشرة إلى نظام البكالوريا المصرية الذي بدأ تطبيقه في التعليم الثانوي.

فإذا كانت فلسفة البكالوريا تقوم على الانتقال من التعليم الذي يضغط الطالب في امتحان واحد إلى مسارات أكثر ارتباطًا بالميول والاستعداد والتخصص، فإن هذا التطور يجب ألا يتوقف عند باب المدرسة.

لا معنى لأن نقول للطالب:

اختر المسار الذي يتناسب مع قدراتك واهتماماتك،

ثم نصل إلى الجامعة ونعود إلى النظر إليه باعتباره مجرد مجموع.

إذا كنا نريد أن نعرف الطالب مبكرًا، ونساعده على اختيار الطريق الذي يناسبه، فيجب أن تكون هناك حلقة متصلة بين ما يدرسه في المرحلة الثانوية وبين التخصص الذي يتقدم إليه في الجامعة.

وهنا أعتقد أننا أمام فرصة لإعادة النظر في منظومة القبول الجامعي كلها.

ليس المطلوب إلغاء المجموع، وإنما إعادة وضعه في مكانه الصحيح.

قد يكون المجموع شرطًا مبدئيًا، ثم تأتي بعده معايير أخرى تختلف بحسب طبيعة التخصص: اختبارات قدرات، اختبارات تخصصية، مقابلات أو أدوات تقييم علمية، وفق قواعد واضحة وموحدة تضمن تكافؤ الفرص.

وبذلك يمكن أن نمنح الطالب الذي لم يحصل على أعلى مجموع فرصة حقيقية لإثبات قدرته، بدل أن نغلق أمامه الطريق، وفي الوقت نفسه لا نحول مجرد القدرة على تحمل المصروفات إلى بديل عن الاستعداد الأكاديمي.

وهنا أؤكد أنني لست ضد التعليم الخاص أو الأهلي.

على العكس، التوسع في مؤسسات التعليم العالي أتاح فرصًا إضافية لأعداد كبيرة من الطلاب، وخفف جانبًا من الضغط على الجامعات الحكومية، وفتح مجالات جديدة للتعليم والاستثمار.

لكن التعليم عندما يصبح مجالًا للاستثمار، تزداد مسؤولية الدولة في الرقابة على الجودة.

فالاستثمار في التعليم أمر مشروع، لكن يجب ألا يتحول الاستثمار إلى غاية تسبق الرسالة التعليمية.

التعليم استثمار، نعم، لكنه قبل ذلك بناء للإنسان.

ومن هنا تأتي أهمية الجامعات الأهلية باعتبارها أحد المسارات التي اتجهت إليها الدولة للتوسع في إتاحة التعليم الجامعي، مع محاولة تحقيق التوازن بين زيادة الفرص والحفاظ على المستوى الأكاديمي.

لكن التوازن الحقيقي لا يتحقق بكثرة أعداد المقبولين وحدها.

فالسؤال ليس: كم طالبًا استطعنا أن نقبله؟

وإنما:

كم طالبًا استطعنا أن نؤهله فعلًا؟

وهذه النقطة تتجاوز الطب إلى كل التخصصات التي تحتاج إلى قدرات واستعدادات خاصة.

فالطالب الذي يختار الهندسة يحتاج إلى مقومات تختلف عن طالب يختار الآداب، وطالب يختار العلوم يحتاج إلى استعدادات تختلف عن طالب يختار تخصصًا آخر.

ومن غير المنطقي أن نتعامل مع كل هذه الاختيارات بالطريقة نفسها، ثم نتساءل بعد سنوات لماذا لم ينجح بعض الخريجين في ممارسة ما درسوه بكفاءة.

ولذلك فإن تطوير التعليم الثانوي يجب أن يتبعه بالضرورة تطوير في فلسفة القبول الجامعي.

وإذا كان نظام البكالوريا يفتح أمامنا بابًا جديدًا في طريقة تقييم الطالب واختياره لمساره، فعلينا أن نستفيد من هذه الخطوة بدل أن تبقى منفصلة عن الجامعة.

قد يقول البعض: وماذا عن الطالب الذي لم يحصل على مجموع مرتفع ولكنه يمتلك قدرات حقيقية؟

أقول: نعطه الفرصة.

لكن لنجعلها فرصة حقيقية لا مجرد تخفيض في الحد الأدنى.

ليثبت قدرته من خلال معيار واضح.

وهنا نصل إلى المعادلة التي أراها أكثر عدلًا:

لا نغلق الباب بسبب رقم، ولا نفتحه بلا معيار.

فالعدالة التعليمية ليست أن يحصل الجميع على النتيجة نفسها، وإنما أن يحصل كل طالب على فرصة عادلة لإثبات قدرته، وأن يصل إلى التخصص الذي يستطيع أن ينجح فيه.

وهنا يصبح السؤال أكبر من قصة قبول طلاب الطب بمجموع 50%.

القصة الحقيقية هي: أي منظومة قبول نريد؟

منظومة تضع الطالب أمام أرقام وحدود دنيا تختلف بدرجة كبيرة من جامعة إلى أخرى؟

أم منظومة تقول له بوضوح:

هذه فرصتك، وهذه قدراتك، وهذا التخصص الذي اخترته، وهذه المعايير التي يجب أن تثبت أنك قادر على النجاح فيه؟

وبما آن الأوان أن ننتقل من فكرة «من حصل على مجموع أعلى؟» إلى سؤال أكثر أهمية:

«من هو الأكثر استعدادًا لهذا الطريق؟»

فقد يكون لدينا طالب يحمل حلمًا كبيرًا، وطموحًا صادقًا، ورغبة حقيقية في النجاح، لكنه يقف أمام طريق لا نعرف بعد كيف نختبر مدى قدرته على السير فيه.

وهنا يأتي عنواني:

فارس بلا جواد

فالفارس قد يملك الشجاعة والطموح والرغبة في الوصول، لكن الطريق يحتاج إلى ما هو أكثر من الرغبة.

يحتاج إلى وسيلة مناسبة، وإلى إعداد حقيقي، وإلى قدرة على مواصلة الطريق.

فلنوسع أبواب الفرص، لكن لنوسع معها أبواب الكفاءة.

ولنجعل التعليم قادرًا على أن يمنح أبناءنا أكثر من طريق للنجاح، دون أن نفقد المعيار الذي يحمي قيمة الشهادة، ويحمي جودة المهنة، ويحمي المجتمع في النهاية.

لأن القضية ليست أن يدخل الطالب الجامعة.

القضية أن يخرج منها قادرًا على أن يكون جديرًا بالمكان الذي وصل إليه.

كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.

اقرأ أيضا– نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: العالم ينتفض اليوم لـ مواجهة زحف الرمال!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى