كُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: الجنيه البراني.. حين يبقى القانون حاضرًا في النقاش… غائبًا عن التطبيق

كان المصريون قديمًا يطلقون وصف “الجنيه البراني” على الجنيه الموجود… لكنه خارج التداول. يحتفظ بقيمته، لكنه لا يؤدي دوره، فيظل حاضرًا بالاسم، غائبًا بالفعل.

ولأن قيمة الأشياء لا تُقاس بوجودها، وإنما بأثرها، فقد قفز هذا التعبير إلى ذهني كلما تابعت الحديث عن قانون الإدارة المحلية؛ قانون حاضر في التصريحات، حاضر في المناقشات، حاضر على أجندة البرلمان، لكنه ما زال غائبًا عن التطبيق.

ومع انتهاء دور الانعقاد الأخير لمجلس النواب، عاد هذا الملف إلى الواجهة، لكن عاد معه السؤال الذي يطرحه الشارع المصري منذ حل المجالس الشعبية المحلية عام 2011: إلى متى؟

إلى متى يظل هذا الاستحقاق الدستوري ينتظر؟

وإلى متى تبقى انتخابات المجالس المحلية مؤجلة، بينما تزداد الحاجة إليها يومًا بعد يوم؟

وأكتب اليوم عن قانون الإدارة المحلية، لا بصفتي متابعة لما يدور تحت قبة البرلمان، وإنما بصفتي واحدة ممن عملوا داخل الإدارة المحلية سنوات طويلة، ويعرفون أن القضية لا تتعلق بإصدار قانون أو إجراء انتخابات فحسب، وإنما ببناء منظومة متكاملة، تتوازن فيها الاختصاصات، ويؤدي فيها كل طرف دوره دون تداخل أو تضارب.

وعلى مدار سنوات عملي، تعلمت أن المواطن لا يعنيه اسم الجهة التي تتبعها المشكلة، ولا حدود الاختصاص بين هذا المسؤول أو ذاك، بقدر ما يعنيه أن يجد من يستمع إليه، ويتابع شكواه، ويحاسب المقصر، ويعيد إليه ثقته في مؤسسات الدولة. ومن هنا أدركت أن قوة الإدارة المحلية لا تكمن في تعدد مؤسساتها، وإنما في وضوح أدوارها وتكاملها.

وللأسف، ترسخت عبر سنوات طويلة صورة ذهنية اختلطت فيها الأدوار، حتى أصبح كثيرون ينظرون إلى المجالس الشعبية المحلية والجهاز الإداري التنفيذي باعتبارهما وجهين لعملة واحدة.

والحقيقة أن المجلس الشعبي المحلي لم يُنشأ ليكون جزءًا من الجهاز الإداري التنفيذي، وإنما ليكون ممثلًا للمواطن، يمارس الرقابة الشعبية، ويتابع الأداء، ويشارك في وضع أولويات التنمية المحلية، بينما يتولى الجهاز الإداري التنفيذي تنفيذ السياسات وإدارة المرافق والخدمات. وعندما تختلط هذه الأدوار، تختلط معها الأحكام، ويضيع الهدف الذي قامت عليه فلسفة الإدارة المحلية.

وربما كان غياب المجالس الشعبية المحلية طوال هذه السنوات سببًا في تحميل مجلس النواب أعباءً لم تكن في الأصل من صميم اختصاصه. فقد أصبح عضو مجلس النواب الملاذ الأول للمواطن في كثير من المشكلات اليومية؛ من رصف طريق، أو إصلاح مرفق، أو متابعة خدمة عامة، وهي ملفات كانت بطبيعتها تجد طريقها إلى المجالس الشعبية المحلية.

ولا أقول ذلك انتقاصًا من دور النواب، وإنما تقديرًا لحجم المسؤولية التي تحملوها. فالدستور أناط بعضو مجلس النواب مسؤوليات أساسية، في مقدمتها التشريع، وإقرار السياسة العامة للدولة، والخطة العامة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والموازنة العامة للدولة، وممارسة الرقابة على أعمال السلطة التنفيذية. لكن غياب المجالس الشعبية المحلية خلق فراغًا مؤسسيًا، فكان طبيعيًا أن يتحمل النواب جانبًا من الأعباء الخدمية، استجابة لاحتياجات المواطنين، رغم أنها ليست المهمة التي خُلق من أجلها العمل البرلماني.

ومن هنا، فإن عودة المجالس الشعبية المحلية لا تعني سحب دور من مجلس النواب، وإنما تعني أن تعود كل مؤسسة إلى موقعها الطبيعي، فيكتمل البناء المؤسسي للدولة، ويتفرغ كل طرف للمسؤوليات التي حددها له الدستور.

ولعل ما أعاد هذا الملف إلى دائرة الاهتمام، هو تأكيد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي أهمية الإسراع في استكمال هذا الاستحقاق، بما يعكس إدراك الدولة أن بناء المؤسسات لا يقل أهمية عن بناء الطرق والكباري والمدارس والمستشفيات.

فالدولة المصرية أنجزت خلال السنوات الماضية مشروعات قومية غير مسبوقة، وكانت مبادرة «حياة كريمة» نموذجًا وطنيًا أحدث تحولًا حقيقيًا في الريف المصري، وغيّر وجه الحياة في مئات القرى.

لكن خبرتي العملية علمتني أن أصعب مراحل أي مشروع ليست لحظة افتتاحه، وإنما ما بعدها. فالحفاظ على ما تحقق، ورفع كفاءة الخدمات، والاستجابة للمتغيرات، والمتابعة المستمرة، هي التحدي الحقيقي لأي تنمية.

ومن هنا، تصبح المجالس الشعبية المحلية ضرورة وليست رفاهية، لأنها الأقرب إلى المواطن، والأقدر على متابعة الأداء، ورصد الاحتياجات، والمشاركة في حماية ما تحقق من إنجازات.

فالمشروعات تبني… لكن المؤسسات هي التي تحافظ عليها.

ولذلك، فإن السؤال اليوم لم يعد: هل نحتاج إلى قانون للإدارة المحلية؟

فهذا حسمه الدستور منذ سنوات.

لكن السؤال الحقيقي أصبح:

أي مجالس محلية نريد؟

هل نريد مجالس تعيد إنتاج أخطاء الماضي؟

أم نريد مجالس تليق بما تشهده الدولة من تطوير، تقوم على الكفاءة، والنزاهة، والشفافية، وتضم كوادر قادرة على الرقابة والمشاركة وصناعة القرار المحلي؟

إن إصدار القانون لن يكون نهاية الطريق، بل بدايته.

فالتحدي الحقيقي لا يكمن في إجراء الانتخابات، وإنما في بناء مؤسسة محلية حديثة، تكون شريكًا في التنمية، وحلقة وصل حقيقية بين المواطن والدولة، وقادرة على حماية ما تحقق من إنجازات، لا الاكتفاء بالاحتفال بها.

فالأوطان لا تُدار بالانتظار، ولا تُستكمل مؤسساتها بالأمنيات، ولا تُقاس قوة الدول بما تنجزه من مشروعات فحسب، وإنما بقدرتها على بناء مؤسسات تضمن استدامة هذه الإنجازات وتحميها.

لقد أثبتت الدولة المصرية قدرتها على البناء، ويبقى الرهان الآن على استكمال البناء المؤسسي، لأن التنمية مشروع مستمر، والإدارة المحلية إحدى أهم أدوات استمراره.

وما بين نص دستوري قائم، وقانون طال انتظاره، ومواطن يتطلع إلى مشاركة حقيقية في إدارة شؤون مجتمعه، يبقى السؤال مفتوحًا:

متى يغادر قانون الإدارة المحلية مقاعد الانتظار… ليبدأ دوره في بناء المستقبل؟

كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.

اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: درس من طرابزون ينتظره قانون المحليات في مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى