نجوى العشيري تكتب لـ « 30 يوم»: درس من طرابزون ينتظره قانون المحليات في مصر
كيف تتحول الأحداث المحلية إلى موارد اقتصادية عندما تمتلك الإدارة أدواتها؟
كيف تتحول الأحداث المحلية إلى موارد اقتصادية عندما تمتلك الإدارة المحلية أدواتها؟
ليس كل خبر يستحق أن نقرأه بعين المتابع، فبعض الأخبار تستحق أن نتوقف أمامها بعين الباحث عن الدروس.
من بين الأخبار التي لفتت انتباهي مؤخرًا، إعلان رئيس بلدية مدينة طرابزون التركية شراء آلاف القمصان الرسمية لنادي طرابزون سبور، احتفاءً بانضمام النجم المصري محمد صلاح إلى صفوف الفريق. وقد يراه البعض تصرفًا احتفاليًا أو دعمًا لنادٍ رياضي، لكنني رأيت فيه نموذجًا مختلفًا لكيفية تفكير الإدارة المحلية عندما تدرك أن الحدث ليس نهاية القصة، بل بدايتها.
فالحدث الرياضي، في هذه الحالة، لم يكن مجرد مناسبة عابرة، بل أصبح فرصة لتحريك النشاط الاقتصادي، وتعزيز الهوية المحلية، وتنشيط الأسواق، وجذب الاهتمام بالمدينة، وتحويل حالة الحماس الجماهيري إلى قيمة مضافة يستفيد منها المجتمع المحلي.
وهنا وجدت نفسي أطرح سؤالًا أراه أكثر أهمية من الخبر نفسه:
كم حدثًا شهدته محافظات مصر، وكان يمكن أن يتحول إلى مورد اقتصادي، ثم انتهى دون أن يترك وراءه سوى صورٍ على مواقع التواصل الاجتماعي؟
في مصر، تمتلك كل محافظة ما يميزها عن غيرها. لدينا مدن سياحية، ومناطق أثرية، ومنتجات زراعية وصناعية، وحرف تراثية، ومهرجانات شعبية، وفعاليات ثقافية ورياضية، وشخصيات عامة حققت نجاحات محلية ودولية. وكل واحدة من هذه العناصر ليست مجرد عنوان للتعريف بالمحافظة، وإنما يمكن أن تكون نقطة انطلاق لتنشيط الاقتصاد المحلي إذا وُجدت رؤية إدارية تتعامل مع الفرص قبل أن تضيع.
إن تنمية الموارد المحلية لا تعني بالضرورة فرض رسوم جديدة أو تحميل المواطن أعباء إضافية، وإنما تعني حسن استثمار ما تملكه المحافظة بالفعل. فقد يتحول مهرجان إلى موسم تجاري، ومنتج محلي إلى علامة تسويقية، ومناسبة وطنية إلى فرصة لتنشيط السياحة الداخلية، ونجاح أحد أبناء المحافظة إلى حملة ترويجية تعود بالنفع على الاقتصاد المحلي.
وهنا نصل إلى جوهر القضية.
فمنذ سنوات، ينتظر المصريون صدور قانون الإدارة المحلية الجديد، بينما تستمر المحافظات في العمل داخل منظومة تحتاج إلى مزيد من المرونة والقدرة على المبادرة. وقد انصب جانب كبير من النقاش حول القانون على الانتخابات المحلية، وهي بلا شك استحقاق دستوري مهم، لكن هناك جانبًا آخر لا يقل أهمية، وهو بناء إدارة محلية تمتلك الأدوات التي تساعدها على تنمية مواردها، وإدارة إمكاناتها بكفاءة، والتفاعل السريع مع الفرص التي تفرضها الأحداث.
إن المحافظات لا تحتاج فقط إلى موازنات أكبر، بل تحتاج أيضًا إلى صلاحيات أوضح، وأدوات أكثر فاعلية، تسمح لها بالابتكار في إدارة مواردها، وإقامة شراكات مع المجتمع والقطاع الخاص، والتخطيط لمبادرات تحقق عائدًا اقتصاديًا وتنمويًا يعود بالنفع على المواطن.
ولعل ما نشهده اليوم من توسع في المشروعات القومية، وما تحقق من إنجازات كبيرة في مبادرة حياة كريمة، يؤكد أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى إدارة محلية قادرة على الحفاظ على هذه الإنجازات، واستثمارها، وتحويلها إلى تنمية مستدامة، لا تقتصر على تنفيذ المشروعات، بل تمتد إلى تعظيم العائد منها.
إن المحافظة الناجحة ليست هي التي تنتظر الفرص، وإنما التي تصنع منها موارد. وليست هي التي تكتفي بإدارة الخدمات، وإنما التي تدير إمكاناتها بعقلية اقتصادية، فتجعل من كل مناسبة نافذة للتنمية، ومن كل نجاح مشروعًا جديدًا، ومن كل ميزة نسبية مصدرًا للدخل.
من هنا، فإن قانون الإدارة المحلية لم يعد مجرد مشروع قانون ينتظر المناقشة أو الإقرار، بل أصبح أحد مفاتيح الانتقال إلى مرحلة جديدة، تكون فيها المحافظات أكثر قدرة على الحركة، وأكثر استقلالًا في إدارة إمكاناتها، وأكثر مساهمة في دعم الاقتصاد الوطني.
لقد كان خبر طرابزون بالنسبة للبعض خبرًا رياضيًا عابرًا، أما بالنسبة لي، فقد كان رسالة واضحة تقول إن التنمية لا تبدأ دائمًا بمليارات تُنفق، بل قد تبدأ بفكرة ذكية، وإدارة تؤمن بأن كل حدث يمكن أن يتحول إلى فرصة.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن نطرحه اليوم:
كم فرصة أخرى ستفقدها محافظاتنا… بينما ما زلنا ننتظر قانون الإدارة المحلية؟
كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.
اقرأ أيضا – نجوى العشيري تكتب: هل الفساد ظاهرة أم حالة؟ قراءة في واقع المحليات ومُساءلة القيادات




