د. أمل رمزي تكتب لـ «30 يوم»: أمن غزة لايتجزأ من الأمن القومي المصري
لا يمكن قراءة ما يجرى فى غزة باعتباره حرباً عابرة أو جولة جديدة من جولات الصراع الفلسطينى الإسرائيلى، ما يحدث اليوم هو لحظة فارقة تعيد تشكيل خرائط النفوذ فى الشرق الأوسط، وتفرض على كل دولة أن تحدد موقعها بوضوح بعيداً عن المزايدات والشعارات.
فى قلب هذا المشهد تقف مصر، ليس لأنها الدولة الأقرب جغرافيا إلى القطاع فحسب، بل لأنها الأكثر إدراكاً لحقيقة أن أمن غزة جزء لا يتجزأ من الأمن القومى المصرى، وأن أى فوضى ممتدة على حدودها الشرقية لن تتوقف آثارها عند معبر أو شريط حدودى، بل ستمتد إلى الإقليم بأكمله.
لهذا لم يكن التحرك المصرى رد فعل على ضغوط دولية أو استجابة لحسابات اللحظة، وإنما جاء امتداداً لعقيدة سياسية ترى أن حماية القضية الفلسطينية تبدأ بحماية الشعب الفلسطينى، وأن إنقاذ المدنيين من آلة الحرب لا يقل أهمية عن الدفاع عن الحقوق الوطنية المشروعة.
وعلى الأرض، كانت مصر صاحبة النصيب الأكبر فى إدخال المساعدات الإنسانية، بينما كانت سياسياً تقود اتصالات لا تهدأ مع مختلف الأطراف، سعياً لوقف إطلاق النار ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع لا يعرف أحد حدودها.
لكن الحقيقة التى لا يجوز الهروب منها أن القضية الفلسطينية تواجه اليوم تحدياً داخلياً لا يقل خطورة عن الاحتلال نفسه. فالدولة لا تبنى فى ظل تعدد مراكز القرار، ولا يمكن الحديث عن مشروع وطنى قادر على انتزاع الحقوق بينما القرار السياسى والأمنى موزع بين قوى متنافسة، لكل منها حساباتها وأولوياتها.
ومن هنا تبدو الرؤية المصرية بشأن إعادة تنظيم المشهد الفلسطينى، وحصر السلاح فى إطار السلطة الوطنية الشرعية، طرحاً سياسياً يستند إلى منطق الدولة، لا إلى منطق الفصائل. فاحتكار الدولة للسلاح ليس انتقاصاً من حق المقاومة، وإنما قاعدة مستقرة فى كل التجارب التى نجحت فى بناء دولها بعد الحروب والصراعات.
إن استمرار الانقسام الفلسطينى يمنح خصوم القضية فرصاً لا تنتهى، ويؤجل أى مشروع حقيقى لإعادة إعمار غزة أو استعادة الحقوق الوطنية، أما توحيد القرار الفلسطينى وإعادة بناء المؤسسات على أسس وطنية جامعة، فهو الطريق الأقصر لاستعادة قوة الموقف الفلسطينى أمام العالم
مصر تدرك أن الطريق ليس سهلاً، وأن تعقيدات المشهد تتجاوز حدود القطاع، لكنها تتحرك وفق رؤية تعتبر أن الحلول المستدامة لا تصنع بالسلاح وحده، ولا بالمواقف الخطابية، وإنما ببناء مؤسسات وطنية قوية، قادرة على إدارة الدولة وصون قرارها المستقل.
حفظ الله الوطن


