محمد شكر يكتب لـ «30 يوم»: «الكرنك».. أزمة سينما أتلفها الهوى
أحب “الكرنك”.. لا المعبد الجنائزي العظيم ببحيرته الأكثر تقديساً لدى المصريين القدماء، ولكن “الكرنك” الذي أعلن تفضيله عبر هذه السطور، هو “ملك القنبلة في مصر”، الأكثر تفضيلا لدى المصريين في هذا العصر، بطيب مذاقة ورقة كلفته ما جعل هذا الكيان الوطني الذي تأسس عام 1952، ينافس أباطرة الطعام الحلو في السوق المصرية، بل ويجد حظوة لدى البسطاء، بعد أن تحولوا من السينما بتذاكرها الملتهبة إلى شغل المقاعد بالنواصي التي تحتلها فروع “الكرنك”، وغيره من صناع المذاق الحلو وضاربي العصائر.
لهذا تراجعت إيرادات السينما رغم مزادات مواقع التواصل الاجتماعي، وزادت المشاحنات للتأكيد على حضور جمهور ينصف الأسماء لا الأعمال، رغم أن هذا الجمهور لا يستمع لكل هذا الصخب الافتراضي، مع انشغاله بتفجير قنبلة من الحجم الكبير في عرض الطريق المؤدي لـ”الكرنك”، فلا حاجة ملحة لمطاردة أفلام ضعيفة ستنتهكها مواقع القرصنة في الأسبوع التالي وتأتي بها إلى هاتفه بلا رقابة أو تطبيق لحقوق الملكية الفكرية، لتنال القرصنة من الإيرادات المتنازع عليها، ويبقى الوسط السينمائي منشغلاً عن حماية الصناعة، بمحاولة سرقة الحقوق المجاورة، أو التفنن في سرقة الأطراف الأضعف في معادلة الإنتاج والتوزيع السينمائي، دون أن يلتفت لنزيف أفلامه التي انتهكتها روابط السيرفرات وفضائيات “يوتيل سات” الفرنسية الناطقة بالعربية، دون حراك من غرفة تتبارى في فرض الفيلم الأجنبي علينا للتربح من الشاشات دون إنفاق إنتاجي، مع استمرار التربح من التوزيع كـ”إتاوة” تفرض على المنتجين الأفراد لتوجيه الأفلام إلى دور العرض السينمائي المملوكة لنفس الشخص الذي يمتلك مقعداً في مجلس قيادة الغرفة.
هي مفارقة غريبة تملكني التفكير فيها، حينما بحثت عن الطلاب والأسر المصرية البسيطة، التي طالما جاورتهم في القاعات المظلمة، وللأسف وجدت أكثرهم عند “الكرنك”، لأنه يمنحهم السعادة بمبلغ أقل، ليحل محل السينما كنزهة محدودة التكلفة، تنعش الأسرة المصرية لساعة من هجير التضخم، ورغم أني لم أكن أراه الأفضل بين أقرانه لوقت قريب، إلا أن منشوراً دعائياً لصفحة “الكرنك” استوقفني قبل عدة أشهر، ورغم أنه منشور أعاد رواد مواقع التواصل الاجتماعي تدويره لسنوات، إلا أني أردت قراءته، ربما حنينا لنقد المفارقات الجغرافية المصرية التي طالما سخر فيها المصريين من واقعهم.
“ليه جامعة القاهرة في الجيزة؟
طب ليه جامعة عين شمس في العباسية؟
طب وهندسة بنها إيه اللي مخليها في شبرا؟
وليه كوبري 6 اكتوبر مش بيعدي على 6 اكتوبر؟
وفي رواية أخرى لم ترد في “منيو” الكرنك: ليه كوبري 6 أكتوبر بيعدي في كل حته غير 6 أكتوبر
متسحلش نفسك في أسئلة ملهاش إجابات”..
هكذا أنهى “الكرنك” إعلانه عن “القنبلة” أو “المتدلعة” لا أذكر على وجه التحديد، ولكن وسط هذا اللغط السينمائي القائم حول صناعة أتلفها الهوى، كثيرا ما نستدعي أسئلة بلا إجابات لنبقى في الظل، لأننا نخجل من الإجابة عليها ليس إلا، ولا أدري لماذا تستمر هذه المراوغات، فالواقع يؤكد أن جامعة القاهرة في الجيزة، والواقع المسكوت عنه يشير إلى أن الاحتكار هو آفة الصناعة، ولأن جامعة عين شمس في العباسية، فلا يمكن التأكد من قوانا العقلية كصناع إبداع، إلا من خلال مواجهة التزييف، وعدم التعامل معه باعتباره مفارقة يجوز التندر بها في الجلسات الخاصة، ولا يمكن البوح بها علناً للاحتفاظ بمقعد على ساحة مزدحمة بالموهوبين بلا فرص إنتاج تكفي الجميع، ولا أتهم أيا منكم بشيء هنا، فقط أؤكد على أن هندسة بنها في قلب شبرا، ولا يجب علينا أن ننكر ذلك إن أردنا إصلاحا.
ورغم سذاجة “النكتة” التي أحبها على طريقة الترند الحالي “يا مصر بتعمليها ازاي؟”، إلا أني لا أضحك في نهايتها على كوبري أكتوبر، بقدر ما أشفق على ما يحمله من أثقال، لهذا علينا أن نكون أكثر تعاطفاً مع صناعتنا ومع بعضنا البعض، وقبل كل هذا على النقابات الفنية خاصة نقابة المهن السينمائية، أن ترفع الحرج عن أعضائها وتتولى مهمة مواجهة أباطرة الصناعة، في سبيل الوصول إلى مسار تشريعي يقضي على آفة الاحتكار، وينسف قواعد الهيمنة على مقدرات السينما المصرية، وإذا لم يتحرك جموع السينمائيين في هذا الاتجاه سيبقى الحال كما هو عليه، ولا تعتقدوا أن السينما المصرية ستموت، لأني سمعت هذا لثلاث عقود ولم أشهده قط، لأن المنتجين الأفراد ينزفون لإنتاج أعمالهم شغفاً لدعم الصناعة، أو طمعاً في إيرادات قد لا يجدوها بعد التخلي عن نحو 70% من قيمة التذاكر صالح الموزع ودار العرض المملوكين لنفس الكيان الاحتكاري.
هي صناعة باقية، لأن كهنة السينما والمتحكمين في مفاصلها يريدونها مريضة لا ميتة، فلا جثة ستجلب الأرباح إليهم، لهذا فقط تعصف الأوضاع الحالية بصناعة قادرة على المنافسة، بل والمشاركة في تنمية قدرات ومدخلات هذا الوطن، مع قدرتها على جذب النقد الأجنبي، وترسيخ الصورة الذهنية الحقيقية لمصر في العالم، فإذا أردتم قوة ناعمة، لا تصدعونا بالخطب الجوفاء، وامنحوا السينما تشريعاتها القادرة على تحقيق العدالة الإبداعية، ومهدوا لها الطريق لتمضي، وفي بضع سنوات ستجد لها موطئ قدم بين سينمات العالم، فنحن لا ينقصنا سوى الإدارة الرشيدة للمنظومة، بلا احتكار قاتل للكيانات الصغيرة وصناع التنوير والبهجة، وفوضى لا تجنح لتنسيق حتى بين حلفاء الإنتاج في منظومة الاحتكار، هي متاهة لن يخرجنا منها سوى القانون، ثم جذب استثمارات جديدة تعمل بطرق عصرية لتحقيق المعادلة الذهبية، إنتاج بمستوى فني جيد، وجذب جماهيري وطرق توزيع جديدة لترويج الفيلم المصري، فنحن بلا سعر لأننا نبيع أفلامنا وأنفسنا فرادى، دون إدارة وتنسيق لصالح الصناعة في مواجهة السينمات الصاعدة والتي تمتص كوادرنا وتمتطيها لتحقيق أهدافها التجارية قبل الفنية.
لهذا أقول للجميع: استثمروا في السينما حينما تصبح حرة لتجبُروا صناعة وطنكم المأزومة، وتخلوا عن المؤتمرات التي لا تمنحكم سوى عقد لتمويل فيلم ردئ بسعر بخس، واعقدوا مؤتمرات لتفكيك منظومة الاحتكار لتوفير فرص عمل أكثر، نحّوا خلافات الإيرادات جانباً واجتمعوا لمواجهة القراصنة من سارقي أقواتكم وضرائبنا المليونية، تحملوا فقد موظف مصري لراتبه عدة أشهر، وارفضوا كل عقد ينتهك حقوق الملكية الفكرية والحقوق المجاورة وستنتصرون على من يهددون بوقف الإنتاج المتوقف أساساً، فالمبدع أقوى من رأس المال، لأنه الوقود الذي يحرك آلته الاقتصادية، فإذا أردتم إصلاحاً للسينما المصرية، فاطرقوا أبواب نقاباتكم المهنية أولاً، واجتمعوا على صناعتكم، ثم اطرقوا أبواب البرلمان لنيل حقوقكم التشريعية، واستعدوا لدخول قاعات المحاكم، فلن يتخلى الكبار عن مكاسبهم طوعاً، هي معركة لا يحسمها إلا القانون إذا أردتم تصحيحاً لأوضاع السينما المصرية المتردية، وأنتم تملكون القوة للتغيير والخروج بالصناعة من أسر الاحتكار، واستعادة جمهورها من “الكرنك”، إذا ما نجحت جهودكم التشريعية في إلغاء ضريبة الملاهي التي ضاعفت أسعار التذاكر فألهبت جيوب المصريين، فإذا أردنا حلاً جذرياً للأزمة التي أصبحت أزمة هوية الآن، علينا أن نسمي الأسماء بمسمياتها، ونعلن أن الأزمة الحقيقية التي أمرضت السينما المصرية هي انعدام التشريعات السينمائية المنظمة للصناعة والرادعة للمحتكرين، هي معركة مصيرية أرى أن وقتها قد حان.




