توبكُتّاب وآراء

نجوى العشيري تكتب: حصاد العمر.. قراءة في حقوق أصحاب المعاشات بين الثقة والقانون

لا يعرف الإنسان قيمة سنوات عمره إلا عندما يطوي آخر صفحة من رحلة العمل ويبدأ رحلة جديدة عنوانها المعاش. عندها لا ينظر إلى ما تقاضاه بالأمس، بل إلى ما ادخره للمستقبل، وإلى الثقة التي بناها بينه وبين وطنه طوال سنوات الخدمة.

أعاد الجدل الأخير حول أموال التأمينات والمعاشات هذا الملف إلى دائرة الاهتمام العام، وهو أمر قد يكون إيجابيًا إذا قاد إلى حوار مسؤول يعزز الثقة ويؤكد أن حقوق أصحاب المعاشات تظل فوق كل خلاف.

فالحقوق لا ترتبط بالأشخاص ولا تتغير بتغير المواقع، وإنما ترتبط بملايين المواطنين الذين أدوا واجبهم بإخلاص، وهم على يقين بأن ما اقتطع من دخولهم طوال سنوات الخدمة هو حق محفوظ لهم يحميه القانون وتصونه الدولة.

إن أموال التأمينات ليست أرقامًا في حسابات مالية، وإنما حصيلة أعمار كاملة. وراء كل معاش قصة موظف، أو عامل، أو معلم، أو طبيب، أو مهندس، أو مزارع، بذل سنوات من عمره في خدمة وطنه.

فالراتب كان مقابل أداء الواجب، أما المعاش فهو حصاد رحلة كاملة من العطاء. ولذلك لا تقاس قيمة المعاش بما يصرف في نهاية كل شهر فحسب، وإنما بما يمثله من طمأنينة واحترام لسنوات العمل.

قد تختلف الآراء في قراءة الماضي، لكن المستقبل لا يبنى بالخلاف، وإنما بالثقة. والثقة لا تتحقق بالشعارات، بل بالشفافية والإفصاح والحوكمة.

لقد أثبتت تجارب دول مثل كندا والسويد وهولندا أن قوة نظم المعاشات تقوم على الإدارة الاحترافية والرقابة المؤسسية والإفصاح الدوري، بما يعزز ثقة أصحاب الحقوق ويحافظ على استدامة الصناديق. والاستفادة من هذه المبادئ لا تعني استنساخ التجارب، وإنما تطوير أدواتنا بما يتوافق مع واقعنا.

ومن هنا أطرح فكرة تستحق النقاش، وهي إصدار تقرير سنوي مبسط عن أموال التأمينات والمعاشات، يوضح بلغة يفهمها الجميع أسس الإدارة العامة، وسياسات الاستثمار، ومؤشرات الأداء، وخطط التطوير. فالمعرفة ليست ترفًا، والشفافية ليست مجاملة، بل أساس بناء الثقة.

إن أصحاب المعاشات لا يطلبون امتيازًا، وإنما يطمحون إلى الاطمئنان بأن ثمرة أعمارهم مصونة، وأن الحقوق التي نشأت من سنوات العمل ستظل محفوظة بقوة القانون.

إن التنمية والعدالة الاجتماعية ليسا طريقين متوازيين، بل مسار واحد. فكلما تعززت التنمية، ازدادت أهمية ترسيخ الثقة بأن حقوق المواطنين مصونة، وفي مقدمتها حقوق أصحاب المعاشات.

وحين يشعر صاحب المعاش أن حقه محفوظ، وأن مؤسسات دولته تتعامل مع هذا الحق باعتباره أمانة، فإن الثقة تصبح أكبر استثمار يمكن أن يبنى بين الدولة والمواطن.

لذلك سيبقى هذا الملف أكبر من أي جدل، لأنه يتعلق بحصاد العمر… وحصاد العمر لا يقبل إلا أن يُصان.

كاتبة المقال – وكيل أول وزارة سكرتير عام بالمعاش .. كاتبة مهتمة بقضايا الإدارة المحلية والتنمية والوعى الوطني.

اقرأ أيضا نجوى العشيري تكتب: الدستور لا يقرأ «عدّاد» الكهرباء

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى