كُتّاب وآراء

د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: حين يفقد الإنسان إنسانيته.. من يوقظ الضمير؟

لا أخفي أنني أصبحت أخشى متابعة الأخبار. ليس لأن الجرائم كثرت فحسب، بل لأن كل خبر منها يترك في داخلي خوفًا جديدًا. أعترف أنني أرتعب كلما قرأت عن زوج يقتل زوجته، أو ابن يعتدي على أمه أو أبيه، أو فتاة تنهي حياة أمها. لا أستطيع أن أتعامل مع هذه الأخبار بوصفها أرقامًا أو حوادث عابرة، بل أشعر في كل مرة أن شيئًا من إنسانيتنا يتآكل.
أخاف من مجتمع يتراجع فيه حضور الرحمة، ويضعف فيه احترام الإنسان للإنسان، حتى تصبح أقرب العلاقات مهددة بالغضب والكراهية والعنف. وحين أفكر في المستقبل، لا يشغلني فقط أن يتعلم أبناؤنا أو ينجحوا أو يجدوا عملًا، بل أن يبقوا قادرين على الرحمة، وعلى ضبط غضبهم، وعلى أن يروا في الآخر إنسانًا لا خصمًا.
ولهذا لم أكتب هذه الكلمات بحثًا عن تفسير لجريمة، وإنما لأنني ما زلت أؤمن أن الإنسان لا يولد قاتلًا، بل يفقد شيئًا من إنسانيته في الطريق. وإذا عرفنا كيف يفقدها، فربما عرفنا أيضًا كيف نستعيدها. ولهذا فإن ما أبحث عنه ليس مجرد تفسير لما يحدث، بل سبيل يمنع وقوعه قبل أن يحدث. فما أخشاه حقًا ليس خبرًا أقرؤه في صحيفة، بل أن نستيقظ يومًا وقد أصبح فقدان الرحمة أمرًا عاديًا، ولم يعد مشهد الدم يهز ضمائرنا كما كان من قبل.
لكن ما يؤلمني ليس الجريمة وحدها، ولا معرفة من هو الجاني، بل سؤال لا يفارقني: ماذا حدث للإنسان؟ كيف يصل إنسان إلى أن يرفع يده على أمه؟ وكيف يتحول الأب إلى خصم، والزوجة إلى عدو، والابن إلى عبء؟ ومتى فقدت هذه الكلمات معناها؟ وكيف وصلنا إلى هذه الدرجة من القسوة ولم نبالي؟
هنا أدركت أن القانون وحده لن يجيب عن هذا السؤال، وأن علم النفس، على أهميته، لن يكشف كل أبعاده. فالقانون يعاقب بعد وقوع الجريمة، وعلم النفس يفسر سلوك الجاني، أما الفلسفة فتتراجع خطوة إلى الوراء، وتسأل: كيف انهارت البنية الأخلاقية التي كانت تجعل مثل هذه الأفعال مستحيلة؟
قبل أكثر من ألفي عام، كتب أرسطو عبارة تبدو اليوم وكأنها كُتبت لعصرنا، لا لعصره، حين قال:
” أي إنسان يستطيع أن يغضب، فهذا أمر يسير. أما أن يغضب من الشخص المناسب، وبالقدر المناسب، وفي الوقت المناسب، وللسبب المناسب، وبالطريقة المناسبة، فذلك ليس بالأمر اليسير.”
كلما قرأت هذه العبارة شعرت أن أرسطو لم يكن يتحدث عن الغضب وحده، بل عن الإنسان نفسه. فالفرق بين الإنسان الذي يقود انفعاله، والإنسان الذي يقوده انفعاله، قد يكون هو الفرق بين حياة ومأساة. فالقتل لا يبدأ لحظة حمل السلاح، بل يبدأ في اللحظة التي يفقد فيها الإنسان قدرته على أن يحكم غضبه بعقله.
لكن هل يكفي هذا وحده لتفسير ما يحدث في مجتمعنا؟ لا أظن. فثمة شيء آخر يتآكل بصمت. علاقاتنا نفسها لم تعد كما كانت. وهذا ما تنبه إليه زيجمونت باومان حين وصف عصرنا بأنه عصر «الحب السائل». لم تعد الروابط الإنسانية تقوم على الثبات، بل أصبحت أكثر هشاشة، وأسرع قابلية للانكسار. وعندما تصبح العلاقة مؤقتة، يصبح التخلي عنها أسهل، ويصبح الحفاظ عليها أقل قيمة.
ثم جاءت حنة آرنت لتدق ناقوس خطر آخر. لم يكن أكثر ما أخافها هو وجود الشر، بل أن يتحول الشر إلى شيء مألوف لا يثير الدهشة. وهذا ما أخشاه اليوم. أخشى أن نستيقظ كل صباح على خبر جريمة، ثم نغلق الهاتف ونواصل يومنا كأن شيئًا لم يكن.
ومن هنا يبدأ العلاج
ليس العلاج من وجهة نظري؛ في مزيد من القوانين وحدها، وإن كانت القوانين ضرورة لا غنى عنها، ولا في الاكتفاء بإدانة الجريمة بعد وقوعها، لأن العقوبة توقف الجاني، لكنها لا تمنع ولادة جناة جدد. إن العلاج الحقيقي يبدأ قبل لحظة الجريمة بسنوات، حين نعيد بناء الإنسان نفسه.
فإذا كان أرسطو قد علّمنا أن الإنسان لا يصبح فاضلًا إلا بتربية انفعالاته، فإن أول خطوات العلاج هي أن نعلّم أبناءنا كيف يغضبون، قبل أن نعلمهم كيف ينجحون. فإدارة الانفعال ليست مهارة نفسية فحسب، بل فضيلة أخلاقية تحمي الإنسان من أن يتحول غضبه إلى عنف.
وإذا كانت حنة آرنت قد نبهتنا إلى خطر الاعتياد على الشر، فإن علينا أن نعيد إلى ضمير المجتمع قدرته على الدهشة. لا يجوز أن تتحول الجريمة إلى خبر عابر، ولا أن يصبح مشهد الدم خبرًا عاديًا لا يوقظ فينا شيئًا, فالمجتمع الذي لا يهتز أمام الشر، يفقد تدريجيًا مناعته الأخلاقية.
أما إذا كان باومان قد كشف لنا هشاشة الروابط الإنسانية، فإن العلاج يبدأ من إعادة الاعتبار للأسرة، لا باعتبارها مؤسسة اجتماعية فقط، بل بوصفها المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان الرحمة، والصبر، والاحتمال، والمسؤولية.
وحين يحذرنا ماكنتاير من ضياع لغة الفضيلة، فإن ذلك يفرض علينا أن نستعيد الخطاب الأخلاقي في المدرسة، والجامعة، والإعلام، والثقافة. فنحن لا نحتاج إلى مزيد من المعلومات بقدر حاجتنا إلى إعادة الاعتبار لمعاني الواجب، والرحمة، والاحترام، والضمير, والإنسانية.
وأخيرًا، يذكرنا ليفيناس بأن بداية الأخلاق هي أن نرى في الآخر إنسانًا، لا وسيلة ولا خصمًا. وربما كانت هذه أبسط حقيقة، لكنها أيضًا أكثرها غيابًا. فحين يفقد الإنسان القدرة على رؤية وجه الآخر، يصبح الاعتداء عليه ممكنًا، أما حين يرى فيه إنسانًا يشبهه في الألم والخوف والأمل، يصبح العنف أكثر صعوبة.
إن معركتنا الحقيقية اليوم ليست مع الجريمة وحدها، بل مع كل ما يضعف الضمير قبل أن تقع الجريمة. فالجريمة ليست بداية الانهيار، وإنما هي آخر حلقاته.
إن أخطر ما يواجه مجتمعاتنا ليس التقدم التكنولوجي، بل أن يفقد الإنسان حساسيته الأخلاقية. فالآلة قد تتعلم الحساب، لكنها لا تعرف الرحمة. أما الإنسان، فإذا فقد الرحمة، فقد أهم ما يميزه.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: كيف نصنع آلة أكثر ذكاءً؟ بل: كيف نربي إنسانًا أكثر وعيًا بإنسانيته؟
فالأمم يا حضرات لا تنهض بكثرة القوانين ولا بكثرة المراقبين لضمائرنا، وإنما تنهض حين يبقى الضمير حيًا، وحين يظل الإنسان قادرًا على أن يرى في وجه الآخر أخًا له في الإنسانية، لا خصمًا يجب التخلص منه.

 اقرأ أيضا د. هدى محمد عبد الرحمن تكتب لـ «30 يوم»: هل كان المفروض أبقى سيدة أعمال؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى