ممدوح بدوي يكتب: «الذكاء الاصطناعي» فوق طاولة ملتقى الهناجر الثقافي
في عصرٍ تتسارع فيه خطى التكنولوجيا لتعيد تشكيل ملامح الوجود الإنساني، بات لزامًا علينا في «ثقافة مواطن».
أن نتوقف بالقراءة والتحليل أمام واحدة من أهم المنصات الفكرية التي ناقشت هذا التحول.
فقد شهد مركز الهناجر للفنون، تحت رعاية قطاع المسرح برئاسة الدكتور أيمن الشيوي وبحضور الفنان شادي سرور، ليلة فكرية استثنائية حملت عنوان «الذكاء الاصطناعي وتأثيره في مستقبل الإنسانية»*، لتقفز فوق علامات الاستفهام وتضع النقاط فوق الحروف حول كيفية تطويع التكنولوجيا لخدمة وبناء “الجمهورية الجديدة”.
أدارت اللقاء ببراعتها المعهودة الناقدة الأدبية الدكتورة ناهد عبدالحميد، مؤسس ومدير الملتقى، والتي افتتحت المنصة بوضع مقاربة تاريخية ذكية؛ لفتت فيها إلى أن رحلة الإنسان بدأت من اكتشاف النار وصولاً إلى الذكاء الاصطناعي الذي بات يغزو تفاصيل حياتنا.
وقد أصابت د. ناهد كبد الحقيقة حين أكدت أن هذه التقنية تعد علامة فارقة تميز رؤية الدولة المصرية في جمهوريتها الجديدة، طارحةً السؤال الجوهري الذي يجب أن يشغل بال كل مواطن:
“إذا كانت الآلة تزداد ذكاءً يومًا بعد يوم، فكيف نجعل الإنسان أكثر حكمة، وكيف نحافظ على تميزه لتكون الآلة خادمة له لا بديلاً عنه؟
من المنظور العلمي والأكاديمي، شدد الدكتور أيمن دياب (عميد كلية التكنولوجيا الحيوية بجامعة MSA) على أن الذكاء الاصطناعي لم يعد رفاهية بل هو أعظم تطور تكنولوجي نشهده. ونبه د. دياب إلى “سلاح ذي حدين”: فشقه المفيد يسهل الحياة، وشقه الخطر يهدد وظائف تقليدية وقد يمس الأمن القومي إذا أسيء استخدامه.
والحل من وجهة نظره يكمن في مسارين:
* إعداد جيل جديد قادر على مواكبة هذه الوظائف الحديثة.
* التمسك بالأخلاقيات الإنسانية كمعيار أساسي للمنافسة والبقاء.
فيما قدمت الدكتورة غادة عامر (عميد كلية الهندسة بجامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا سابقًا وزميل كلية الدفاع الوطني) رؤية أمنية واستراتيجية طمأنت فيها الحضور، مؤكدة أن الخوف من الذكاء الاصطناعي ينبع فقط من “عدم المعرفة”.
وأضافت أن السلاح الحقيقي للتفوق على هذه الطفرة التكنولوجية ليس الانعزال عنها، بل الوعي والحرص الدائم على القراءة والاطلاع المستمر لتطوير قدراتنا ومواهبنا البشرية.
لم يخلُ الملتقى من الدفاع عن الروح الإنسانية والإبداع؛ حيث أكد الدكتور حسين حمودة (أستاذ الأدب المقارن والنقد بجامعة القاهرة) أن الذكاء الاصطناعي لا يمكنه إلغاء الفكر أو الموهبة البشرية، مستشهدًا بتجارب عالمية أثبتت أن دور التكنولوجيا يقتصر على “التعزيز المحدود” للإبداع.
كما أثار نقطة غاية في الأهمية وهي ضرورة السعي نحو “تمثيل ثقافتنا الهوية” في البيانات التي تُغذى بها هذه الأنظمة لضمان عدم تغييب وعينا العربي.
وفي ذات السياق، جاءت الكلمات الحماسية للفنان القدير طارق الدسوقي لتذكرنا بأن الإنسان هو أعظم مخلوقات الله، وأن الاستسلام الأعمى للتكنولوجيا واستسهالها خاصة في مجالات الفن والإبداع هو خطأ فادح قد يسبب بلبلة واضطرابات.
مؤكدًا أن: “الإبداع الإنساني يظل دائمًا هو الأفضل والأبقى”*.
ولمزيد من الواقعية الرقمية، استعرض الإعلامي حسن هويدي (وكيل وزارة الإعلام الأسبق) أرقامًا صادمة ومبشرة في آن واحد؛ حيث أوضح أن الذكاء الاصطناعي غير ملامح قطاع الترجمة بنسبة 80% من حيث السرعة والإنتاجية، ما يتيح للمترجم إنجاز صفحات أكثر في ثوانٍ معدودة، وإن كانت “الترجمة الفورية” لا تزال حتى اللحظة تحتفظ بخصوصيتها البشرية الصرفة.
وكعادة ملتقى الهناجر الثقافي في مزج الفكر بالفن، تخللت اللقاء باقة غنائية وطنية وطربية دافئة قدمتها فرقة “كردان” بقيادة المايسترو علي المنسي، حيث تفاعل الحضور مع أغنيات لامست القلوب مثل “يا حبايب مصر” و”يا حبيبتي يا مصر”.
كما شهد الملتقى زخمًا فكريًا إضافيًا عبر مداخلات قامات وطنية بارزة، كان منها مداخلات:
- اللواء المحافظ طارق المهدي.
- الدكتور أحمد الشامي.
- الدكتور مسعد عويس.
- الدكتور رشدي أبو زيد.
إننا في «ثقافة مواطن» نرى أن هذا الملتقى دق ناقوس الوعي؛ فالذكاء الاصطناعي ليس ماردًا مرعبًا يسعى لإنهاء الوجود الإنساني، بل هو مرآة تعكس مدى قدرتنا على القيادة.
معركتنا القادمة ليست ضد الآلة، بل هي معركة وعي، وبناء عقول، وتمسك بالهوية والأخلاق. طالما بقي الإنسان مبدعًا ومسلحًا بالمعرفة، ستظل التكنولوجيا مجرد “أداة” في يد الحكمة البشرية لرفعة هذا الوطن.
اقرأ أيضا – ممدوح بدوي يكتب:«صُنع في مصر» ليس شعارًا بل معركة وجود.. كيف نبني قاعدتنا الإنتاجية القوية؟




