لواء دكتور راضي عبد المعطي يكتب: هيبة العمدة بين أمانة الرسالة وعظم المسئولية
العمدة ليس مجرد منصب يحمل أو لقب يذكر أمام الناس، بل هي حالة من الوقار الممتزج بالمسئولية، وسلطة نابعة من احترام قبل أن تكون نابعة من قوة. العمدة في القرى والنجوع ليس مجرد شخص يدير شئون المكان، بل هو رمز للاستقرار، وصوت العقل، ومرجع يلجأ إليه وقت الشدة قبل الرخاء.
لذلك كانت هيبته تتشكل عبر الزمن من مواقفه، وعدله، وطريقته في التعامل مع الناس. هيبة العمدة تبدأ من حضوره حين يدخل المجلس، يسود الهدوء، دون أن يطلب ذلك، ليس خوفاً، بل تقديراً. نبرة صوته متزنة، لا يرفعها ليسمع، ولا يخفضها ليستعطف ينظر في عيون المتحدثين بثبات، يستمع أكثر مما يتكلم، وعندما يتكلم يزن كلماته كأنها أحكام لا تحتمل العبث. الهيبة الحقيقية لا تفرض بالقسوة، بل تبنى بالعدل. العمدة الذي ينصف الضعيف قبل القوى، ويقف على مسافة واحدة من الجميع، هو من تترسخ هيبته في القلوب الناس قد تخاف من الظلم، لكنها لا تحترمه. أما العدل فيخلق طمأنينة، والطمأنينة تولد ثقة، والثقة تتحول إلى هيبة راسخة. لذلك كان العمدة الحكيم يدرك أن سلطته الحقيقية في قدرته على تحقيق التوازن بين الحزم والرحمة.
حين تتصاعد الأصوات وتحتد المشاعر، يكفي أن يتدخل العمدة بكلمة هادئة ليعود النظام. لا يصرخ، ولا يهين بل يذكر الجميع بالقيم التي تربطهم: الجيرة، القرابة، العشرة الطويلة. وجوده بالمجلس يذكر الناس بأن هناك مرجعية تحمى السلم الاجتماعي. هيبة العمدة ترتبط بتحمله للمسئولية. هو أول من يسأل عند حدوث مشكلة وأخر من ينام إن وقعت أزمة. يقف في الصفوف الأولى وقت الكوارث، ويشارك الناس أفراحهم وأحزانهم. لا يختبئ خلف منصبة. هذا القرب من الناس مع الحفاظ على الوقار يخلق توازناً دقيقاً بين الألفة والاحترام.
ولا يمكن إغفال البعد الرمزي في صورة العمدة. مجلسه، جلسته، طريقته في استقبال الضيوف، كلها تفاصيل تعكس مكانته. لكنه إن اعتمد على المظاهر وحدها دون مضمون سقطت هيبته سريعاً. إذا اجتمع الشكل بالمضمون، والوقار بالفعل الصادق، صارت هيبة العمدة جزءاً من ذاكرة المكان، تروى عنه الحكايات بعد سنوات طويلة. ليست هيبة العمدة في العصا التي يمسكها، ولا في عدد الرجال الذين يقفون حوله، بل في تلك المسافة غير المرئية التي يخلقها بينه وبين الفوضى. هو خط الدفاع الأول عن النظام، والميزان الذي توزن به الكلمات قبل أن تتحول إلى أفعال حين يذكر اسمه، لا يذكر بوصفه شخصاً فقط، بل باعتباره مرجعية، وقيمة، وقراراً أخيراً.
العمدة الحقيقي لا يحتاج إلى أن يذكر الناس بمنصبه، فمواقفه تفعل ذلك نيابة عنه. إذا حضر مجلسنا تغير الإيقاع، واستقام الحديث، وانضبطت التفاصيل. ليس لأنه يفرض الصمت، بل لأن وجوده يمنح الجميع شعوراً
بأن الأمور تحت السيطرة. الهيبة هنا ليست خوفاً، بل يقيناً بأن هناك عقلاً يدير المشهد، وقلباً لا يميل مع المصالح. من سمات هيبة العمدة المتزن أنه لا ينجرف مع الانفعال. في لحظات الغضب، يظل ثابتاً؛ وفي لحظات الفرح، يبقى متزناً. يعرف أن كلمته قد تصلح بيتاً أو تشعل خصومة، لذلك لا يتعجل الحكم. يستمع لكل طرف حتى النهاية، يلتقط التفاصيل الصغيرة، ويقرأ ما بين السطور. يصدر قراره، يكون حاسماً لا رجعة فيه، لكنه عادل لا قسوة فيه. الهيبة تصنع أيضاً بالمسافة الأخلاقية. العمدة الذي لا يساوم على الحق، ولا يبيع قراره لمصلحة عابرة قد يختلف الناس معه، لكنهم لا يشككون في نزاهته. هذه النزاهة هي العمود الفقري لهيبته، لأنها تمنحه قوة داخلية لا تعتمد على دعم أو تصفيق. كما أن هيبة العمدة تظهر في صمته بقدر ما تظهر في كلامه. أحياناً يكفي أن يرفع العمدة نظره أو يغير نبرة صوته ليفهم الجميع أن الحد قد وضع. لا يكثر من الوعود، ولا يطلق الكلام جزافاً. كل عبارة محسوبة، وكل وعد مسئولية، وكل قرار أثر طويل المدى، وفي الأزمات، تتضح المعادن.
وختاماً: فإن ما سبق يمثل نموذجاً للعمدة الذي يجمع بين هيبة المنصب والقبول المجتمعي والمسئولية الأمنية في إطار متوازن ومن الواجب أن يعى المجتمع قيمة وقدر العمدة ودوره وأن تكون لدى اللجان القائمة على اختيار العمدة من الضوابط والآليات والمعايير التي تسمح باختيار العناصر التي تمتلك القدرة على تحقيق الأمن المجتمعي بالصورة التي تليق مع اسم وقيمة الجمهورية الجديدة التي يؤسس لها الرئيس عبد الفتاح السيسي.
حفظ الله مصر
حمى شعبها العظيم وقائدها الحكيم



