توبكُتّاب وآراء

ممدوح بدوي يكتب:«صُنع في مصر» ليس شعارًا بل معركة وجود.. كيف نبني قاعدتنا الإنتاجية القوية؟

في كل حلقة من «ثقافة مواطن»، نتحدث عن الوعي، والوعي الحقيقي اليوم هو أن ندرك جميعًا أن الدولة المصرية تخوض حاليًا “معركة وطنية” لا تقل أهمية عن معاركنا العسكرية؛ إنها معركة التصنيع وتعميق الإنتاج المحلي.

الهدف لم يعد مجرد طموحات على ورق، بل استراتيجية واضحة المعالم: تقليل فاتورة الاستيراد، توفير العملة الصعبة، وتحويل مصر إلى مركز صناعي إقليمي يربط بين أفريقيا وآسيا وأوروبا.

الدولة لا تبني مجرد جدران لمصانع، بل تؤسس لمنظومة متكاملة تبدأ من الأرض والمرافق، وتمر بالتمويل والترخيص، لتصل في النهاية إلى منتج وطني ننافس به عالميًا.

أولاً: الاستراتيجية الوطنية للصناعة (2024 – 2030).. لغة الأرقام لا تكذب

الحكومة وضعت خريطة طريق واضحة حتى عام 2030، والهدف منها نقل الاقتصاد المصري نقرة نوعية، وتتلخص مستهدفاتها في نقاط محددة:

الناتج القومي: رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 14% لتصل إلى 20%* بحلول 2030.

سوق العمل: قفزة كبرى في توفير فرص العمل من 3.5 مليون فرصة حاليًا، إلى 7-8 ملايين فرصة عمل مباشرة وغير مباشرة.

الاقتصاد الأخضر: مواكبةً لمعايير الاستدامة العالمية، تستهدف الخطة وصول مساهمة الصناعات الخضراء والصديقة للبيئة إلى 5% من الناتج المحلي.

28 صناعة واعدة: تم تحديد قطاعات استراتيجية لتكون قاطرة النمو، وعلى رأسها: (الصناعات الهندسية، الدوائية، البتروكيماويات، الإلكترونيات، السيارات الكهربائية، الغزل والنسيج، والصناعات الغذائية).

ثانياً: البنية التحتية جاهزة.. مبقاش فيه حجة “مفيش أرض أو مرافق

على مدار سنوات، كانت البيروقراطية ونقص الأراضي المرفقة هما العائق الأساسي أمام أي مستثمر. اليوم، نسفنا هذه المعوقات عبر إجراءات حاسمة على الأرض:

  1. المناطق الصناعية الجديدة: إنشاء وتطوير مدن صناعية متكاملة ومزودة بأحدث شبكات الطاقة (كهرباء، غاز طبيعي)، فضلاً عن الصرف الصناعي وشبكات الطرق العملاقة التي تسهل حركة النقل.
  2. نسف الروتين: تبسيط ملموس في إجراءات استخراج الرخص الصناعية من خلال هيئة التنمية الصناعية، مع تخفيض الرسوم للتسهيل على أصحاب المصانع.
  3. إحياء المصانع المتعثرة: إطلاق خطة عاجلة لحل مشكلات المصانع المتوقفة وضخ الدماء في عروقها لتشغيلها من جديد.
  4. المناطق الاقتصادية الخاصة: خير مثال على ذلك هو النجاح الكبير للمنطقة الاقتصادية الصينية في السويس (تيدا)، والتي بدأت تجتذب استثمارات أجنبية ضخمة لبناء قلاع إنتاجية على أرض مصرية.

ثالثاً: تعميق التصنيع المحلي.. بدل ما نستورد المسمار نصنعه هنا!

هذه هي النواة الحقيقية للمعركة الفكرية والاقتصادية؛ فنحن بحاجة إلى حماية أمننا القومي والاقتصادي من التقلبات وسلاسل الإمداد العالمية المضطربة.

الحل؟ قامت الحكومة بحصر دقيق لـ 152 مكونًا إنتاجيًا وسلعة مستوردة، وصنفتها كأولوية قصوى ليتم تصنيعها محليًا كبديل وطني جاهز.

هذا التركيز يشمل قطاعات حيوية مثل: الكيماويات، البلاستيك، الأجهزة المنزلية، ومكونات السيارات، بالإضافة إلى توطين الصناعات التكنولوجية الدقيقة كالإلكترونيات، البرمجيات، وأنظمة تكنولوجيا المعلومات والطاقة المتجددة.

رابعاً: حوافز وتسهيلات ذهبية للمستثمر والمواطن

عشان المستثمر – محلي أو أجنبي – يضخ أمواله، كان لازم يلمس مناخ استثماري جاذب وآمن، وده اللي تحقق من خلال:

تسهيلات ضريبية وحوافز استثمارية غير مسبوقة.

دعم مالي وفني للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودمج القطاع غير الرسمي في المنظومة الرسمية للدولة.

برامج تمويلية مخصصة من البنك المركزي لدعم وتعميق التصنيع بفائد ميسرة.

تدريب وتأهيل العمالة المصرية لتتوافق مهاراتهم مع متطلبات الثورة الصناعية الرابعة.

عقد شراكات دولية* كبرى لنقل التكنولوجيا الحديثة، مثل التعاون المثمر مع منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (يونيدو) والوكالة الألمانية.

الرؤية الختامية لـ “ثقافة مواطن”:

في النهاية، كل هذا الجهد الضخم يصب في مصلحة المواطن المصري البسيط لتحقيق ثلاثة أهداف رئيسية: خفض العتماد على الواردات لتقليل العجز في الميزان التجاري، قيد الصادرات بأرقام قياسية بمعدل نمو سنوي يتراوح بين 18-25% لنصل إلى حلم الـ 145 مليار دولار، وأخيرًا تثبيت مكانة مصر كمركز إقليمي رائد.

الخلاصة يا سادة.. فكرة “صُنِع في مصر” لم تعد مجرد شعار حماسي نردده في المناسبات، بل أصبحت استراتيجية حياة، وعقيدة عمل تترجم على أرض الواقع يومًا بعد يوم. عندما نشتري المنتج المصري، نحن لا ندعم اقتصادنا فحسب، بل نساهم في بناء مستقبل أولادنا وتوفير فرص عمل كريمة لهم. خطتنا ثابتة، ومستقبلنا نصنعه بأيدينا.

 اقرأ أيضا

ممدوح بدوي يكتب: بناء العقول كبناء البيوت.. التعليم هو الترياق الحقيقي في معركة الوعي

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى