توبكُتّاب وآراء

ممدوح بدوي يكتب: بناء العقول كبناء البيوت.. التعليم هو الترياق الحقيقي في معركة الوعي

شهدت مكتبة مصر الكبرى بالزمالك، في تمام الساعة الرابعة والنصف عصراً من يوم الثلاثاء 2 يونيو، ندوة فكرية استثنائية حملت عنواناً يمس عمق حاضرنا ومستقبلنا: “دور التعليم في مواجهة التطرف”.

وتحت شعار حاسم لخص القضية بوضوح: لماذا الفكر يتطرف، أول خط دفاع بيكون الفصل والمدرسة والجامعة.

لقد شرفتُ بالتواجد في هذا المحفل المبارك وسط نخبة أجلاء من رجال الفكر، والتعليم، والإعلام، وبمشاركة قامات نسائية وأكاديمية بارزة أثرين النقاش بطروحاتهن؛ الدكتورة تريزا فرج (دكتورة في القانون ورئيس اللجنة العليا لشؤون المرأة)، والدكتورة مهندسة ماجدة مجاور (مدير الكلية التكنولوجية بالصحافة سابقاً)، والدكتورة سمية عمران (مدير الكلية التكنولوجية بالصحافة سابقاً).

ومن واقع كلمتي التي ألقيتها في هذا المؤتمر، ومن منطلق مسؤوليتي المهنية كمهندس، أؤمن دائماً بأن بناء العقول كبناء البيوت؛ إذا لم تُؤَسس القواعد على الصخر والوعي، انهار البناء كاملاً عند أول عاصفة.

ومن واقع نافذتي الإعلامية عبر برنامج *”ثقافة مواطن”*، أرى بشكل يومي أن معركتنا الحقيقية والأكثر شراسة ليست معركة سلاح فحسب، بل هي في المقام الأول معركة وعي، معركة فكر، وثقافة أصيلة تبدأ وتتشكل من مقعد الدراسة الأول.

الفراغ الثقافي.. التربة الخصبة لسموم الفكر

إن التطرف لا يولد مع الإنسان، بل هو فكرة خبيثة ودخيلة تتسلل بذكاء إلى العقول الفارغة. فالفراغ الثقافي والمعرفي هو بمثابة التربة الخصبة التي يزرع فيها أعداء الحياة سمومهم الهدامة.

وهنا تحديداً يأتي الدور الجوهري للتعليم؛ فالتعليم الذي نريده ونحتاجه ليس مجرد عملية “تلقين” روتينية لحشو عقول أبنائنا بالمعلومات من أجل اجتياز الامتحانات ونيل الشهادات، بل هو عملية متكاملة لـ “بناء الشخصية” وتنمية مهارات التفكير النقدي. نريد تفكيراً يجعل الطالب يسأل ويفهم: “لماذا وكيف؟”، بدلاً من أن يُساق الأبناء مغيبي الوعي وراء أي فكر متطرف أعمى.

قيمتان أساسيتان لبناء المواطن

إننا بحاجة ماسة لتعليم يربي في “المواطن” قيمتين تشكلان ركيزة الاستقرار:

قبول الآخر: أن يستوعب الطالب أن الاختلاف سنة كونية، وأن الوطن يتسع للجميع على تنوعهم.

الانتماء والمسؤولية: أن يشعر كل طالب في مدرسته وجامعته بأن هذا الوطن هو بيته الكبير، وأن الحفاظ عليه وحمايته واجب مقدس لا تهاون فيه.

التعليم والثقافة.. جدار الوعي الحامي للوطن

إن الثقافة والتعليم وجهان لعملة واحدة لا يمكن فصلهما. ومن خلال منبر “ثقافة مواطن”، نؤكد دائماً وبكل حسم أن المواطن المثقف هو خط الدفاع الأول عن أمن هذا الوطن، والتعليم هو المصنع الحقيقي الذي يصنع هذا المواطن ويشكل وجدانه.

إننا نتطلع إلى مناهج تنبض بالحياة، تزرع في النفوس الفن، والجمال، وحب التاريخ، وتقدير العلم والعلماء.

كما نتطلع إلى معلم يكون هو نفسه قدوة حية في التسامح والوسطية، وإلى مدرسة وجامعة تتحولان إلى منارات تشع نوراً يطرد خفافيش الظلام وأفكارهم الهدامة.

دعوة للتكاتف

في الختام، أجدد الدعوة التي أطلقتها في الندوة: دعونا نتكاتف جميعاً؛ مؤسسات تعليمية، وإعلامية، وثقافية، لنبني معاً جداراً صلباً من الوعي يحمي أبناءنا. فالتعليم هو الترياق الوحيد والفعال لسموم التطرف، وهو الجسر الآمن الذي سنعبر به معاً نحو مستقبل مشرق ومزدهر.

كل الشكر والتقدير للقائمين على تنظيم هذه الندوة الثرية بمكتبة مصر الكبرى بالزمالك، وكلي أمل أن تتحول توصياتها العملية إلى واقع ملموس ينبض بالحياة في مدارسنا وجامعاتنا.

حفظ الله وطننا الغالي، وأنار عقول أبنائه بنور العلم والمعرفة.

 اقرأ أيضا

ممدوح بدوي يكتب: لغة الأرقام ومعادلة الوعي.. قراءة في رسائل الرئيس من قلب «الدلتا الجديدة»

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى