الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: عندما يصمت الزملاء… ويتكلم الإبداع
هناك لحظة يكتشف فيها الإنسان أن نهاية الوظيفة ليست نهاية الرحلة، وإنما بداية فصل جديد من الحياة. فصل لا تحدده بطاقة وظيفية، ولا مكتب، ولا توقيع حضور وانصراف، وإنما تحدده القدرة على أن تظل قادرًا على العطاء.
عندما خرجت إلى المعاش، ظننت أن سنوات الخبرة الطويلة في التلفزيون والإعلام ستكون رصيدًا أبدأ به مرحلة جديدة. بدأت أكتب القصص، والمقالات، وأؤلف المسلسلات الإذاعية. كنت أكتب لأن الكتابة بالنسبة لي ليست هواية، بل أسلوب حياة. وكلما انتهيت من عمل جديد، كنت أشعر بسعادة طفل يكتشف لعبة جديدة.
لكن شيئًا آخر لفت انتباهي.
كنت أنشر مقالًا أو قصة استغرقت مني أيامًا من التفكير والبحث والكتابة، فلا أجد تعليقًا واحدًا من بعض زملاء العمر. وفي اليوم التالي أجد الصفحة نفسها تمتلئ بعشرات التعليقات والتهاني بعيد ميلاد أحدهم، أو بصورة قديمة، أو بمنشور عابر لا يحمل أي مضمون.
في البداية شعرت بالدهشة، ثم بالحزن، ثم بدأت أتساءل: هل أصبح الإبداع أقل قيمة من المجاملات؟ وهل أصبح الاحتفاء بالأشخاص أهم من الاحتفاء بما يقدمونه؟
لا أستطيع أن أجزم بأن كل صمت هو حقد، فالحياة أكثر تعقيدًا من ذلك. لكنني تعلمت أن النجاح أحيانًا يزعج البعض أكثر مما يسعدهم، خاصة عندما يأتي بعد التقاعد، في الوقت الذي يظن فيه كثيرون أن صفحة العطاء قد أُغلقت.
هناك من يرى زميله متقاعدًا، فيتوقع أن يختفي من المشهد. فإذا به يعود كاتبًا أو مؤلفًا أو صاحب مشروع جديد، فيشعر بشيء من الضيق، حتى وإن لم يعترف بذلك.
والحقيقة أن المعاش يُنهي الوظيفة، لكنه لا يُنهي الموهبة.
الإبداع لا يعرف سنًا، ولا ينتظر منصبًا، ولا يحتاج إلى مكتب رسمي. ربما يغادر الإنسان مكتبه، لكنه لا يغادر عقله، ولا خبرته، ولا أحلامه.
لقد أدركت مع الوقت أن التقدير الحقيقي لا يقاس بعدد التعليقات، ولا بعدد علامات الإعجاب. فكم من عمل عظيم مر بصمت في بدايته، ثم بقي أثره سنوات طويلة، وكم من منشور حصد آلاف الإعجابات، ثم اختفى بعد ساعات وكأنه لم يكن.
لذلك قررت ألا أنتظر التصفيق من أحد. سأكتب لأن لدي ما يستحق أن يُكتب. وسأؤلف لأن لدي حكايات تستحق أن تُروى. وسأواصل العمل لأن القيمة الحقيقية للإنسان فيما يتركه من أثر، لا فيما يجمعه من مجاملات.
إلى كل زميل خرج إلى المعاش ويشعر أن الأضواء انطفأت حوله، أقول: لا تجعل الآخرين يحددون قيمة عطائك. إذا كان لديك علم فانشره، وإذا كانت لديك خبرة فشاركها، وإذا كانت لديك موهبة فأطلقها.
فالعمر لا يُقاس بعدد السنوات، وإنما بعدد الأفكار التي ما زلنا قادرين على تقديمها.
أما الذين يصمتون أمام نجاح الآخرين، فسيبقون متفرجين على رحلة لن تتوقف.
ويبقى الإبداع… هو الصوت الذي لا يستطيع الصمت أن يهزمه.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي.
اقرأ أيضا– الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: هل نحتاج كل تلك القنوات الفضائية؟



