خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: العزوف السياسي والإعلامي.. ناقوس خطر
يبدو أن الفجوة بين الحكومة والمواطن قد وصلت إلى مستوى غير مسبوق من الانفصال، فإما أن السلطة تعيش فى عالم موازٍ، أو أن الإعلام فقد وظيفته الأساسية، أو أن المواطن أرهقته الضغوط الاقتصادية حتى بات لا يعنيه سوى تأمين قوت يومه، غير عابئ بأسماء الوزراء أو طبيعة السياسات، طالما أن النتيجة واحدة: مزيد من الأعباء، ومزيد من الغضب، ومزيد من الإحباط.
هذه الحقيقة الصادمة لم تأتِ من تحليل سياسى أو تقرير اقتصادى، بل كُشفت مصادفةً على شاشة التليفزيون، أثناء متابعتى لبرنامج “العباقرة عائلات”، الذى يقدمه الإعلامى عصام يوسف حين طُرح سؤال بالغ البساطة: من هى أول سيدة تتولى وزارة التنمية المحلية فى مصر؟.
السؤال، رغم بساطته، جاء بإجابات خاطئة من عائلتين تتنافسان فى برنامج يعتمد على الثقافة العامة، وتضم مشاركين من مختلف الأعمار والمستويات التعليمية. لم يعرف أيٌّ منهم اسم الوزيرة المقصودة وأجابت إحدى العائلتين داليا المشاط وعدل المذيع الإجابة تقصد «رانيا المشاط»، بينما كانت إجابة العائلة الثانية صادمة إذ قالت «نيفين القباج»- طبعاً وزيرة التضامن السابقة – وظهر الذهول على وجه المذيع وأطلق الإجابة الصحيحة: الدكتورة منال عوض.
هنا لا نتوقف أمام زلة معلوماتية عابرة، بل أمام مشهد كاشف لحالة عامة من الانفصال التام بين المواطن ومؤسسات الدولة. كيف يعقل أن مواطنين يتمتعون بقدر معقول من الثقافة، ويتنافسون ويجيدون الإجابة عن أسئلة فى الأدب والعلوم والفنون والرياضيات، يجهلون اسم وزيرة تتولى حقيبة وزارية مهمة تمس حياتهم اليومية بشكل مباشر؟
السؤال الأهم: من المسئول عن هذه الفجوة؟
هل نلوم المواطن الذى سحقته الأسعار وفقد القدرة على الاهتمام بالشأن العام؟ أم نلوم الإعلام الذى انشغل بالتفاهة والتطبيل، وتخلى عن دوره التنويرى؟ أم أن الحكومة نفسها تتحمل القسط الأكبر من المسئولية، بعد أن فشلت فى بناء جسور الثقة والتواصل، وعجزت حتى عن تسويق سياساتها أو حتى التعريف بقياداتها؟
الواقع يقول إن المواطن لم يعد يشعر بوجود الحكومة إلا فى شكل قرارات تثقل كاهله: زيادات فى الأسعار، ورسوم جديدة، وضرائب متصاعدة، دون أن يقابل ذلك تحسن ملموس فى مستوى المعيشة أو جودة الخدمات. وبالتالى أصبح من الطبيعى أن تتلاشى أسماء الوزراء من الذاكرة العامة، لأن بصماتهم غائبة عن الشارع.
الأمر لا يتوقف عند وزارة التنمية المحلية فقط. جرب أن تسأل أى مواطن عن اسم وزير الصناعة الحالى، أو وزير البيئة، أو حتى بعض الوزراء السياديين، وستكتشف حجم الكارثة المعرفية. بل إن كثيرين لا يعلمون أصلاً أن وزارة البيئة قد تم دمجها مع التنمية المحلية فى حقيبة واحدة.
إن ما نعيشه اليوم ليس مجرد جهل عابر بالمعلومات، بل حالة عامة من العزوف السياسى والإعلامى، سببها الإحباط وفقدان الأمل وتراكم الأزمات.
المواطن لم يعد يرى جدوى من المتابعة، ولا فائدة من المعرفة، فى ظل سياسات لا تتغير ونتائج لا تختلف.
الخطورة هنا أن هذا الانفصال يهدد جوهر العلاقة بين الدولة والمجتمع، فحين لا يعرف الناس أسماء مهمة فى حكومة تحكمهم، ولا يشعرون بوجود مؤسساتهم، تصبح الدولة جسداً بلا روح، وسلطة بلا قاعدة شعبية حقيقية.
وإذا كانت الحكومة ترى فى هذا الأمر مسألة هامشية، فإن الحقيقة تقول إننا أمام إنذار مبكر بانهيار الثقة العامة، وهى أخطر ما يمكن أن تواجهه أى دولة.
Khalededrees2020@gmail.com
اقرأ أيضا
خالد إدريس يكتب لـ «30 يوم»: كفر مجاهد.. نظرة ياحكومة




