كُتّاب وآراء

ممدوح بدوي يكتب: لغة الأرقام ومعادلة الوعي.. قراءة في رسائل الرئيس من قلب «الدلتا الجديدة»

في المشهد التنموي المصري المعاصر، لا تأتي الأحاديث الرئاسية لمجرد استعراض الأرقام أو تقديم تقارير أداء حكومية دورية، بل تتحول دائمًا إلى منصة لبناء الوعي وتفكيك المفاهيم وتأصيل المنهجية التخطيطية للدولة. وجاء التعقيب الأخير لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال افتتاح مشروع “الدلتا الجديدة” العملاق، ليضع الرأي العام أمام حقائق إستراتيجية تتجاوز مفهوم الاستصلاح الزراعي التقليدي إلى معركة هندسية وتنموية شاملة لتأمين مستقبل الأمن الغذائي القومي.
ومن منطلق مسؤوليتنا الإعلامية في برنامج ثقافة مواطن، نسلط الضوء في هذا المقال على الأبعاد الأربعة الأبرز التي حملتها الكلمة الرئاسية، والتي ترسم ملامح مصر الحديثة.
1. الهندسة الإستراتيجية: التنمية في مواجهة قوانين الطبيعة
أشار الرئيس برؤية هندسية دقيقة إلى فارق جوهري بين الماضي والحاضر؛ فبينما كان التخطيط التاريخي للمشروعات الزراعية – منذ عهد محمد علي باشا – يعتمد على الانسياب الطبيعي للمياه وحفر الترع والمصارف بفعل الجاذبية من المرتفعات إلى المنخفضات دون الحاجة لشبكات طاقة معقدة، واجهت الدولة المعاصرة حتمية جغرافية ومائية فرضت عليها “العمل عكس قوانين الطبيعة”.
إن مشروع الدلتا الجديدة يمثل ملحمة حقيقية لإعادة توجيه وإعادة تدوير مواردنا المائية. نحن نتحدث عن تجميع مياه الصرف الزراعي التي كانت تُهدر تاريخيًا في البحر المتوسط عبر الماكس والإسكندرية، ونقلها عكس اتجاه الجاذبية عبر مسارات ممتدة وشبكات ومسارات تقارب 300 كيلومتر، مروراً بمحطات رفع عملاقة من المنخفض إلى المرتفع، لتدخل محطات المعالجة الثلاثية المتقدمة لإنتاج مياه نقية صالحة تمامًا لزراعة نحو 2.2 مليون فدان في الصحراء الغربية. هذا التحول الهندسي يعكس تضافرًا وإخلاصًا وإرادة غير مسبوقة بين مختلف أجهزة الدولة.
2. الفاتورة الحقيقية: بنية أساسية عملاقة بالأرقام
جاء العتاب الأبوي والتوجيه الرئاسي للمسؤولين بضرورة استعراض التفاصيل بدقة، ليرفع الستار عن الحجم الهائل للإنفاق الإستراتيجي للدولة، فالعروض المقتضبة قد تبخس المشروعات الكبرى حقها. واستنادًا إلى الأرقام المعلنة، تتضح ضخامة البنية الأساسية في النقاط التالية:
التكلفة الرأسمالية: تتراوح تكلفة البنية الأساسية للفدان الواحد بين 350 إلى 400 ألف جنيه، ما يضع التكلفة الإجمالية للمشروع في حدود *800 مليار جنيه مصري*، وهو رقم يعكس حجم التزام الدولة بالاستثمار في الأصول السيادية.
الشبكة الكهربائية والمائية: يعتمد المشروع على محطات رفع فريدة تحتوي الواحدة منها على أكثر من 13 طلمبة عملاقة لضخ ملايين الأمتار المكعبة يومياً، تدعمها شبكة كهرباء داخلية ضخمة بقدرة 2 جيجاوات وتضم أكثر من 100 ألف برج وعمود كهرباء لضمان تشغيل دائم وبلا انقطاع للمحطات والبوسترات.
البُعد الاجتماعي والتكليفي: يوفر هذا المشروع الضخم فرص عمل مستقرة ومستدامة لما بين 1.5 إلى 2 مليون مواطن مصري، محولاً البنية التحتية إلى محرك أساسي لمكافحة البطالة وتوفير حياة كريمة.
3. الإدارة الاقتصادية الذكية: تنظيم الدورة الزراعية
من الزوايا الإستراتيجية الحيوية التي طرحها الرئيس، فلسفة الدولة في تنظيم الدورة الزراعية بالتعاون مع ما يربو على 150 إلى 200 شركة من القطاع الخاص. إذ قدم الرئيس رؤية علمية واضحة لإدارة الرقعة الزراعية عبر تعظيم العائد الاقتصادي والتكامل بين الدلتا القديمة والدلتا الجديدة.
أوضح فخامته أن بعض المحاصيل مثل “بنجر السكر” تجود زراعتها في التربة الصحراوية بإنتاجية تفوق الأراضي الطينية القديمة بنحو 50%، بينما تحقق محاصيل أخرى مثل القمح والذرة معدلات إنتاج أفضل في الأراضي القديمة للدلتا. ومن خلال إحلال وتوطين المحاصيل بناءً على جودة التربة والمناخ، تعظم الدولة قيمة المنتج النهائي، مع التمسك بزراعة المساحات المستهدفة من المحاصيل الإستراتيجية لتأمين الاحتياجات الفورية.
4. حتمية المصارحة: تفكيك مغالطة “الاكتفاء الذاتي الكامل”
في سياق ترسيخ الوعي المجتمعي وتفنيد الأطروحات غير الدقيقة، اتسمت رسالة الرئيس بالشفافية المطلقة والمصارحة التامة مع الشعب؛ حيث حسم الجدل الدائر حول مفهوم “الاكتفاء الذاتي الكامل” للمحاصيل الزراعية.
أكد الرئيس بشكل قاطع أنه لا توجد دولة في العالم – وتحديدًا دولة ذات كتلة سكانية ضخمة تتجاوز 110 ملايين نسمة مثل مصر – يمكنها تحقيق اكتفاء ذاتي زراعي كامل بنسبة 100%، لارتباط ذلك بدورات المياه، وطبيعة المناخ، وحجم الاستهلاك الهائل من الأعلاف للدواجن والماشية (والذي يتراوح بين 14 إلى 17 مليون طن من الذرة سنويًا). الهدف من هذه المكاشفة هو إدراك المواطن أن ثمار التنمية ليست هدفًا نهائيًا تنتهي عنده المسيرة، بل هي عملية تنموية مستدامة، متواصلة، وطموح ممتد عبر الأجيال لتأمين الدولة ومقوماتها.
خلاصة القول:
إن ما يتحقق اليوم في الدلتا الجديدة، وبالتوازي في توشكى، وشرق العوينات، وسيناء، ومحافظات الصعيد (المنيا وبني سويف وكوم أمبو)، يبرهن على أن الدولة المصرية تخوض سباقًا مع الزمن لتلبية تطلعات شعبها وتوفير متطلبات الحياة في ظل مشهد عالمي وإقليمي بالغ التعقيد.
وكما اختتم فخامة الرئيس كلمته بيقين إيماني راسخ، فإن ما تشهده مصر من إنجازات وتحدٍ للصعاب هو توفيق وفضل كبير من الله سبحانه وتعالى، وبسواعد وعقول أبنائها المخلصين الذين آمنوا بأن الأمل لا يتحقق إلا بالعمل والوعي والاصطفاف الوطني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى