توبكُتّاب وآراء

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: إلى المهندس الشاب.. نأسف لهذا الخطأ

جاء مشهد سيادة الوزير كامل الوزير أثناء تفقده لأحد المشروعات صادما ومحبطا لأقصي درجة، فأثناء قيام سيادته بالمرور لافتتاح أحد المشروعات الكبري وقيام أحد المهندسين بتقديم شرح تفصيلي وتوضيحي للمشروع، قام سيادته بتوبيخه ولومه بطريقة مهينة لتلجلجه أثناء العرض، وفي الحقيقة الموقف مستفز من جميع جوانبه ويستحق التعليق ومناقشته من عدة جوانب، بعضها قد يكون بعيدا تماما عن ذهن القارئ.

فمن جانب سيادة الوزير، أتصور أن التصرف بالفعل جاء غير مقبول نهائيا، فمع اعترافنا بتقصير المهندس، لم يكن لسيادة الوزير أن يكون ردة فعله بهذا الشكل، وكان له أن يكتفي بتوجيهه برفق ويطلب آخرا لاستكمال العرض والتوضيح، مع لفت النظر لاحقا لخطأ المهندس.

أما عن فعل المهندس نفسه، فلنا هنا وقفة، فالمهندس قد لا يكون هناك خلاف على كفائته في مجاله، ولكن هل كان لفت النظر لتقصير في مجاله؟ الإجابة بالطبع لا. افتقد المهندس الشاب مهارات كثيرة قد تكون على نفس الأهمية من كفائته في مجاله، فالمهندس الشاب لم يكن على قدر كاف من الثقة بالنفس والقدرة على مواجهة الجمهور والتعامل المباشر. لا نختلف بالطبع أن الأمر يرجع بقدر ما للقدرات والطباع الشخصية ولكن أليست هذه مهارات كان يجب التركيز عليها والعمل على أن يكتسبها الجيل الجديد بكامله؟؟.

الحقيقة يا سادة أن أمر هذا المهندس ليس فرديا اطلاقا، فنحن أمام جيل كامل لا يقوي على مواجهة جمهور ولم يتعلم اكتساب مهارات تؤهله لتطوير ذاته وشخصيته، وهذه هى النقطة الأهم. نحن أمام جيل كامل تقريبا يعاني من عدم القدرة على التواصل الفعلي المجتمعي والافتقار إلى مهارات حقيقية أبسطها التواصل البصري، جيل يعيش منغلقا على نفسه داخل عالم افتراضي، يتحدث مع أشخاص وهميين، يركل كرة افتراضية أو يحارب أعداء غير حقيقيين، بينما نحن لدينا مدارس بمدرسيها تكافح لتنهي حشو أدمغة طلابها بمناهج ومعلومات لا يكفي الوقت بحال من الأحوال حتى لاستيعاب معظمها، وفي المقابل لا وقت نهائيا ليمارس الطالب أي نشاط آخر ليعزز ثقته بنفسه ويطور مهاراته الشخصية والاجتماعية.

مازال الطالب لدينا يدور في دائرة المناهج والدروس والحشو والاطالة والامتحانات والتقييمات بلا مهارات فعلية أو تطبيقية وحتى دراسته نفسها لا يكاد ينتهي منها حتى تنمحي تماما من ذاكرته، بل أنه أحيانا كثيرة ما تلغي حصص الأنشطة في مقابل زيادة حصص المواد الدراسية لمحاولة الانتهاء من مرحلة تعبئة الأدمغة.

قد يبدو الأمر تافها للبعض أو غير ذي قيمة، ولكن ماذا كانت نتيجته؟ كما رأينا شبابا مهتزا ضعيف الثقة بالنفس وغير قادر على مواجهة الآخر وتقبل النقد والتعامل مع ضغوط العمل. يصب الأمر دائما عند وزارة التربية والتعليم والتي كنا ننتظر من وزيرها الكثير برؤيته الحديثة وفكره المتنور، كنا ننتظر تطبيقا فعليا لهذا الفكر وليس نظريات فقط، ممارسة على أرض الواقع واعداد أنشطة ملائمة وافساح الوقت لها، فلا شك أن مرحلة التعليم الأساسي هى الركيزة الأساسية التي تنطلق وتتطور منها شخصية الطفل. والمعلم، أيا كانت مادته الدراسية، منوطا به العمل على وضع حجر الأساس لهذه الشخصية، أن يعمل على تعزيز الثقة بالنفس ودعم المهارات ومقاومة الرهبة الداخلية واكتشاف نقاط القوة والضعف والقدرة على التعبير، فبالتأكيد أن القيادة علم يدرس ومهارة تكتسب لا نجد لها للأسف في جدولنا أي وقت.

أهيب دائما بسيادة وزير التربية والتعليم ترك مساحة ابداعية للطلاب لممارسة مهارة أو اكتسابها والعمل على توفير بيئة لذلك داخل المدارس وتفعيل هذا الدور من خلال متخصص فعلي من خريجي علم النفس والاجتماع، لا نريد مادة دراسية يمتحنها الطالب ثم لا يكد ينتهي العام الدراسي حتى يمزق كتبها، ولكن نريد بناء حقيقي للشخصية والايمان بالذات وتطويرها والقدرة على اتخاذ القرار دون التأثر بآراء الآخرين.

أعلم جيدا أن المعلم مثقل بمهام أكثر من طاقته ومطالب أيضا بما لا يطيق بلا أي تقدير مادي أو معنوي ولكني فقط أشفق على أولادنا جميعا أن يكون أي منهم مهندسا أمام الوزيري بلا تدريب ولا اعداد

موضوعات ذات صلة 

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: الإعلام فيه سم قاتل

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: رسالة من جروب الماميز

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى