فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: الإعلام فيه سم قاتل
لازال خبر وفاة الطبيب الأشهر دكتور ضياء العوضي متصدرا التريند، والذي كانت وفاته مثار جدل تماما مثلما كان في حياته.
ظهر علينا مؤخرا الدكتور ضياء العوضي مكتسحا شاشات التليفزيون والسوشيال ميديا ومناقشا نظرياته العلمية الخاصة عن نظام الطعام المفروض لكل مريض وأنه يجب التوقف تماما عن تناول الدواء واغذية عدة فلا جدوي منها، فقط تنظيم الطعام والتوقف عن تناول أغذية معينة هو العلاج لا غير، وانقلب كالعادة الاعلام بجميع وسائله وتهافت وراءه بحثا عن سبق اعلامي بظهوره وتصريحاته المثيرة للجدل، لنفاجأ بعد فترة طويلة من اثارة الجدل بفصل الطبيب من عمله الأكاديمي كأستاذ مساعد بكلية طب عين شمس وشطب اسمه نهائيا من سجل نقابة الأطباء المصرية وسحب ترخيص مزاولة المهنة، وينتقل الطبيب ليعيش في دبي ونفاجأ مرة أخري بوفاته فجأة ليكون حادث وفاته مثارا لجدل ونقاش وارتياب واسع. كل ما سبق منتشر ومعروف للجميع وسبق وأن تناولته في مقال سابق، ولكن كالعادة للأمور أكثر من منظور للنقاش، فكما قلت سابقا لست هنا بصدد مناقشة جدية تصريحاته وصوابها من عدمه، فلذلك أهل الاختصاص والعلم. وهنا يأتي السؤال أين هم أهل الاختصاص والعلم؟ لقد ظهر الطبيب على شاشات التليفزيون مروجا لنظرياته ومطالبا بتطبيق نظام “صفر دواء” وحل ضيفا على العديد من البرامج الشهيرة مع العديد من كبار المذيعيين والاعلاميين الذين بالطبع لم يصدر منهم، خلال اللقاء، الا الانبهار والاعجاب دون أي نقاش علمي بالطبع أو تفنيد أو مواجهات مع علماء في ذات التخصص، أو على الأقل خلفية علمية مناسبة للمحاورة مع الضيف، وكان للدكتور ضياء الكلمة العليا والصوت المسموع خلال جميع اللقاءات لينتهي اللقاء بالمزيد من الهالة البراقة حول الطبيب الراحل، ولم نسمع أي تعليق أو انتقاد من جهات مختصة إلا بعد أن علا صوت الرجل في الخارج وبدأت الأمور تخرج عن السيطرة ليست فقط المهنية، بل والأخلاقية.
هنا يأتي التساؤل أين كانت الجهات الرقابية طوال سنوات والطبيب يصول ويجول بين القنوات المختلفة؟ أين الجهات الرقابية على مثل هذا النوع من البرامج وهذه النوعية من الضيوف؟ هل يعد ذلك مقصودا دائما اثارة حالة من الجدل لتكون ملهية للشعب عن أمور لا يفترض المساس بها وممنوع الاقتراب منها أو التطرق إليها؟؟.
إن جهاز التليفزيون من أخطر الأجهزة فهو بلا شك داخل كل بيت والمفترض أن يكون وسيلة اعلامية بكامل صورها، اخبارية، تعليمية، تثقيفية، تربوية، ترفيهية، ولكن كل ما نراه الآن هو فقط حالة من الدوشة مدفوعة الأجر، فكل من له رصيد بنكي يستطيع أن يحتل مساحة اعلامية لا بأس بها يبث من خلالها ما يشاء من أفكار ويصدر رؤيته الخاصة للجمهور التي لا هدف ولا طائل من ورائها إلا جمع المزيد من الأموال وتضخم الرصيد البنكي. هل تصدر ضياء العوضي وحده الشاشات؟ هناك الآلاف من ضياء العوضي يواصلون المسيرة ويلعبون على عقول وآمال مرضي فعل بهم المرض الأفاعيل فوقعوا فريسة سهلة لضياءات كثر لا يمل التليفزيون من تكرار اعلاناتهم ودعاياتهم المستفزة بلا كلل أو ملل.
المراهم السحرية التي تدهن على المفاصل فيقوم المريض ليركض بعد أن كان لا يقوي على السير، سم النحل علاج لكل مرض، دواء للعلاج من العقم وياللعجب يتناوله الرجل والمرأة أيا كان سبب العقم، دواء للتخسيس معتمد من وزارة الصحة تعلن عنه طبيبة تعاني من السمنة المفرطة.
لا أجرؤ على مناقشة أمور طبية، فليس ذلك مجالي ولا علم لي به، ولكني فقط أسلط الضوء على حالة من اللهاث المادي واقع ضحيتها مواطن غلبان مالوش ضهر. أذكر في فيلم زينب، للكاتب محمد حسين هيكل، جملة للبطلة تقول فيها “اللي مالوش أهل الحكومة أهله” أين أنتي يا حكومة من كل هذا الخبث الاعلامي؟ لا أقصد الاعلام الحكومي فقط ولكن أيضا الاعلام الخاص، أين الرقابة على اختيار الضيف ومحتواه وخلفيته، لماذا لا نتحرك إلا بعد وقوع المصيبة فنستيقظ على حالة وفاة أو أكثر بعد استعمال أدوية غير مرخصة تم الاعلان عنها عبر واجهتنا الاعلامية؟ لماذا دائما ما نضع العربة أمام الحصان فنعرض المحتوي وننبهر ونشيد ثم نتدارك الأمر بعد حادث يذهب ضحيته مواطن وثق في اعلامه واعلامييه؟ وبلا شك لازال معظمنا يذكر لقاء المذيعة الكبيرة مع طليقة الفنان المشهور والتي ادعت أنها فنانة كبيرة وتم عرض مجموعة لوحات على أنها من ابداعها الخاص لتنهال المكالمات تؤكد أن كل هذا الابداع مسروق من فنانين أجانب، ولعل هذا الحادث هو الأخف وطأة على عقل المواطن، فلا أحد يهتم فنيا ولا ثقافيا ليتأثر بما حدث، ولكن يظل التساؤل موجودا، لماذا لم يتم مراجعة المحتوي وخلفية الضيف ومرجعيته من قبل الهيئات المعنية قبل عرضها!!؟؟.
لا يقتصرالأمر على المحتوي الطبي فقط ولكن يمتد أيضا للمحتوي الديني، وإنه لأمر لو تعلمون عظيم، فالشعب المصري يحتل الدين مكانا مقدسا بالطبع من تفكيره ويتحكم في شئون دنياه بأكملها ولكننا أيضا نري تهاونا من بعض الاعلاميين فيقومون باستضافة من هم ليسوا أهلا للفتوي ولا ابداء الرأي حتى، مخلفين بذلك حالة من الجدل عند المشاهد في كثير من الأمور.
الجهاز الاعلامي كان دائما مشكلا لوعي الشعب ودليلا مرشدا له في كثير من الوقت في الماضي فكيف آل به الحال لهذا التردي ليصبح هو ذاته سببا في دخول المواطن في دائرة الشك وفقدان المصداقية؟.
الجهات الرقابية كثيرة ومتعددة المسميات بقي فقط أن تمارس دورها بفعالية. لقد صنع الاعلام هذه الفراعين، سواءا على المستوي الطبي أو الديني، وألههم دون سند فعلي أو استحقاقية فانساق وراءه المواطن بلا نقاش عن ثقة في مؤسساته وجهاته المسئولة كما كان العهد سابقا ولكنه تأكد الآن أن الأمر اختلف فلا ضابط ولا رابط ولا كلمة إلا لمن يدفع أكثر.
المواطن المصري مثقل بما فيه الكفاية فارحموه من شلة المنتفعين، المتاجرين بالآلام والأوجاع، ارفعوا عنه عبء الحيرة والارتباك والتخبط، ليكن الظهور لمن يستحق ويكون العلم الموثق هو المعيار فقط وليست الواسطة أو المادة أو التريند.
موضوعات ذات صلة
فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: رسالة من جروب الماميز




