توبكُتّاب وآراء

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: واتس آب

في زمنٍ ليس ببعيد، كانت الطرق إلى الناس تمر عبر الأبواب، والمصافحات، ونبرات الصوت، والجلوس الطويل حول فناجين القهوة. كنا نعرف مشاعر بعضنا من العيون قبل الكلمات، ومن الحضور قبل الرسائل. أما اليوم، فقد اختصر تطبيق صغير بحجم راحة اليد كل تلك المسافات، وأعاد تشكيل علاقتنا بالبشر… اسمه “واتس آب”.
أصبح الواتس آب سيد التفاصيل اليومية في حياتنا. نستيقظ على صوته، وننام على ضوئه الأخضر. من خلاله نضحك، ونتشاجر، ونعزي، ونهنئ، ونتواصل، وربما ننهي علاقات كاملة بكلمة “Seen” أو علامة زرقاء باردة.
حتى المشاعر فقدت حرارتها الطبيعية.
العزاء الذي كان يحتاج حضورًا وربتة كتف ودعاءً صادقًا، أصبح رسالة من سطرين يتبعها “إيموجي” حزين.
والتهنئة التي كانت تُقال بفرح واحتضان، تحولت إلى صورة جاهزة تُرسل إلى مئات الأشخاص بضغطة واحدة.
أما أعياد الميلاد، فلم تعد تحتاج هدية ولا زيارة ولا حتى مكالمة… مجرد “🎂❤️” يكفي لإنهاء الواجب الاجتماعي.
شيئًا فشيئًا، اختبأنا خلف جدار إلكتروني سميك.
صرنا نفضل الكتابة على المواجهة، والرسائل على اللقاءات، والمجموعات على الجلسات الحقيقية.
حتى داخل البيت الواحد، قد يجلس أفراد الأسرة في غرفة واحدة، لكن كل واحد يعيش داخل شاشة مختلفة، يضحك مع أشخاص بعيدين، ويتجاهل من يجلس بجواره.
المشكلة ليست في التكنولوجيا نفسها، فالواتس آب مجرد وسيلة، لكن الكارثة بدأت حين تحولت الوسيلة إلى بديل كامل عن الإنسان.
فقدنا مهارة الإصغاء الحقيقي، وتراجع دفء العلاقات، وأصبحت المشاعر تُقاس بسرعة الرد، لا بصدق الإحساس.
أصبح الإنسان المعاصر محاطًا بمئات المحادثات، لكنه يشعر بوحدة أكبر من أي وقت مضى.
لدينا قوائم طويلة من الأسماء، لكننا نفتقد شخصًا نجلس معه بلا إشعارات، بلا صور، بلا انقطاع.
ربما آن الأوان أن نسأل أنفسنا:
هل قرّبتنا وسائل التواصل فعلًا من بعضنا؟
أم أنها جعلتنا مجرد صور شخصية تتحرك داخل تطبيق؟
نحتاج أحيانًا أن نغلق الهاتف، لا لنبتعد عن العالم، بل لنعود إليه من جديد.
أن نزور مريضًا بدل إرسال “سلامات”.
أن نحضر عزاء بدل كتابة “البقاء لله”.
أن نقدم وردة حقيقية بدل “إيموجي”.
وأن نتذكر أن الإنسان خُلق ليشعر بالبشر… لا بالشاشات.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

اقرأ أيضا

الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: خبر وفاتي غدًا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى