كُتّاب وآراء

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: اللعنة على التريند

من جديد تطل علينا السوشيال ميديا بوجهها القبيح عدة مرات خلال هذا الأسبوع، فمن فيديو ابنة الفنان على الحجار الذي تطاولت فيه على والدها، إلى فيديوهات الراحل الدكتور ضياء العوضي حتى فيديو رقص التيك توكر أمام الطلاب في حركات مبتذلة.

تابع معظمنا خلال الفترة السابقة هذه الفيديوهات التريند، بلغة العصر، كانت بطلة أحد هذه الفيديوهات هى ابنة الفنان والمطرب الشهير والتي خرجت تعلن للجميع أن والدها لا ينفق عليها اطلاقا تاركا إياها وكلابها تعاني الجوع والحاجة، وانقسم الناس كالعادة بين متعاطف معها ضد والدها وآخرون رأوا أنها في سن يجب عليها فيه العمل والانفاق على نفسها.

المشهد الثاني هو لفيديو رقص التيك توكر في أحد التجمعات الطلابية في مشهد مستفز لتنعقد اللجان النقدية مرة أخري وتكون نقطة الجدال هى هل هو دكتور جامعي بالفعل أم مجرد بلوجر يقدم فقرة استعراضية في احدي الحفلات الطلابية خارج الحرم الجامعي.

مشهد أخير كان لفيديوهات الطبيب الراحل ضياء العوضي الذي نال شهرة واسعة قبل رحيله بآرائه المثيرة للجدل، ويأتي بعدها خبر وفاته وينقسم الجمهور مرة أخري، هل كان الطبيب محقا وكانت وفاته جزاءا لدخوله عش الدبابير أم هو مجرد باحث جديد عن الشهرة والوفاة طبيعية؟.

ثلاثة مشاهد أثارت مؤخرا جدلا واسعا كما أوضحنا، والحقيقة أن كلا من هذه الوقائع، بعيدا عن واقعة ابنة الفنان، خضعت للتحقيق بالفعل وتم البت في الشق الجنائي فيها، فقد أكدت التحقيقات بناءا على تقرير الطبيب الشرعي أن وفاة الدكتور ضياء العوضي طبيعية ولا يشوبها شبهة جنائية، وفيما يخص واقعة البلوجر فقد أكدت النيابة العامة أنه ليس إلا تيك توكر في فقرة ترفيهية لاحدي الحفلات التي تمت خارج الحرم الجامعي، وهنا يأتي السؤال، هل انتهي الأمر عند هذا الحد؟ هل ارتاح الجميع لهذه النهاية السعيدة للفيديوهات المثيرة للجدل؟ لست هنا بصدد الحديث عن الأمور في شقها الجنائي ولكن لا يفارق ذهني التساؤل عن الشق الأخلاقي والمجتمعي، فقد أخذت الدولة حقها رسميا وأثبتت أن الأمر ليس به شبهة جنائية ولكن الأمر، كما أتصور لم ينته عند هذا الحد، فالتساؤل الذي لم يفارقني للحظة أين من تعليقاتنا الجانب الأخلاقي؟.

لماذا لم يلتفت لها أحد وكأننا لسنا معنيين بهذا الأمر، فعلي سبيل المثال في فيديو ابنة الفنان على الحجار، بلا شك أنه لا يرضي أحدا أن تجوع فتاة، مهما بلغ عمرها، ووالدها على قيد الحياة، ولكن كيف مرت على أسماعنا هذه الألفاظ ببساطة؟ كيف لفتاة أن تخرج علنا مطالبة جمهورها أو أصدقائها فقط، كما أوضحت، بسب أبيها وفضحه!!؟، كيف ومتي وصل بنا الحال إلى هذا الحد؟ هل سيطرت علينا الشهرة حتى جعلتنا نفخر بوقاحتنا وبذائتنا!؟ أيضا في فيديو الرقص هل كل ما يعنينا هو فقط إذا كان دكتورا جامعيا أم لا!؟ فلا نهتم مثلا ولا نلتفت لمشهد رجل وقف بشكل مسف وبذئ يهز مؤخرته أمام شباب الطلاب في مشهد مثير للاشمئزاز وتصوير ذلك بكل سعادة وتباهي، حتى ولو كان حفلا خاصا بعيدا عن مسئولية الجامعة!؟ أيضا فيدويوهات الطبيب الراحل، تلك المهنة المقدسة والتي يلقب ممتهنوها بملائكة الرحمة، لا يخل فيديو واحد تقريبا له من لفظ، بل ألفاظ خارجة واهانات حتى لمتابعيه.

الأمر محزن إلى أقصى درجة، فلا يكد يمر أسبوع إلا ويطل علينا أحد هذه الفيديوهات التي تصيبنا بالغثيان. ليست هذه صورتنا وليس هذا مجتمعنا وقيمنا التي تربينا عليها ونتمني أن ننشئ أولادنا عليها، لم ينشأ أجيالنا السابقة على اهانة الكبير أيا كان، فما بالنا بفيديوهات لا تظهر إلا اهانة الأب والأم في اطار هزلي أحيانا أو واقعي في أحيان أخري. أين قيمنا وأخلاقنا؟.

لماذا وصل الاستهتار بها إلى هذا الحد؟ لماذا لم يعد هناك حياء ولا حتي للفتاة بل جرأة وتبجح في ادعاء أن ذلك قوة للشخصية؟ لا أندهش حقا من ارتكاب الخطأ قدر اندهاشي بالمجاهرة والمباهاة به، لقد أفقدتنا منصات التواصل الاجتماعي عقولنا ورشدنا تماما، فبين باحث عن الشهرة ولاهث وراء المادة، أصبحنا لا نخجل من نشر غسيلنا القذر، وبعد أن كانت التعاليم الدينية الاسلامية تحث على أن الحياء شعبة من شعب الايمان وأن رسولنا الكريم كان حييا كالعذراء في خدرها وأن المؤمن ليس بطعان ولا لعان ولا فاحش ولا بذئ، أو في المسيحية، أن المرأة الحيية الصبورة نعمة على نعمة، أن الحياء هو حارس العفة، أصبحنا ننطلق وراء كل ما هو فاضح وامتهنا أنفسنا بلا هوادة ولا رحمة، قتلنا جميع الفضائل ودهسناها بالأقدام فلا قيمة للأسرة ولا حرية للفرد ولا أهمية للستر في سبيل سراب سيطر على عقول جيل كامل وأجيال قادمة لم تعد تري إلا التريند ولا معنى لديها لمفاهيم الكرامة واحترام الذات والمبادئ. المسئولية مشتركة وتقع على عاتق الجميع بدءا من الأسرة لمؤسسات تعليمية ودينية يجب أن تهب للقيام بدورها التربوي والتوعوي واطلاق حملة لاظهار القدوة الحسنة المشرفة في جميع المجالات، والتي بالطبع لا تنقصنا، لتكون دائما على مرأى ومسمع وفي أذهان الشباب.

نحتاج لذلك بشدة وبقوة قبل فوات الأوان، ابحثوا عن تريند نظيف يحتل عقول وقلوب شبابنا ويملؤها بالأمل والحماسة والعزيمة لبناء مستقبل أفضل يستحقه أبناؤنا.

موضوعات ذات صلة 

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: الست المصرية.. كلاكيت عاشر

فاتن فريد تكتب لـ «30 يوم»: الحرب العالمية الثالثة والوجه الآخر للعملة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى