د.داليا البيلي تكتب لـ «30 يوم»: وطن النهار… قلبٌ مصريّ ينبض بحب الكويت وطني الثاني
في مسارات الهوية الإنسانية، يظل الوطن مفهومًا يتجاوز حدود الجغرافيا ليغدو حالة وجدانية تتشكّل من التجربة والاحتواء والكرامة.
وفي هذا السياق، تتجلّى الكويت بوصفها “وطن النهار”؛ ذلك الفضاء الذي لا يقتصر على كونه مكانًا للعيش، بل يتحول إلى بيئة مُشعّة بالقيم، تمنح من يعيش على أرضها شعورًا أصيلًا بالانتماء.
وُلدتُ وترعرعتُ على أرض الكويت الطيبة، فكانت البداية والنشأة، وكانت المدرسة الأولى التي تعلّمت فيها معنى الاستقرار والأمان والاحترام. وعلى الرغم من أن جذوري تمتد إلى مصر، بما تحمله من تاريخ عريق وهوية ضاربة في عمق الحضارة، فإن الكويت لم تكن يومًا مجرد بلد إقامة، بل كانت الوطن الذي احتضن البدايات، وشكّل الوعي، وأسّس ملامح الشخصية.
لقد عايشتُ في الكويت تجربة إنسانية متكاملة، حيث لم يكن الانتماء مرتبطًا بالأصل بقدر ما كان مرتبطًا بما تمنحه هذه الأرض من احتواء وتقدير. فالمجتمع الكويتي، بما يمتاز به من أصالة وانفتاح، قدّم نموذجًا حيًا لما تشير إليه الأدبيات الحديثة في علم الاجتماع بمفهوم الاندماج القيمي، حيث يندمج الفرد في محيطه دون أن يفقد خصوصيته الثقافية.
في هذا الإطار، لم يكن شعوري تجاه الكويت شعورًا عابرًا، بل هو ارتباط عميق ومتجذر، تشكّل عبر سنوات من العيش الحقيقي، والتفاعل اليومي، والدعم الذي يعزّز الإحساس بالكرامة الإنسانية.
فقد وجدت فيها بيئة تُقدّر الجهد، وتدعم الطموح، وتحتضن الإنسان كقيمة قبل أي اعتبار آخر.
إن وصف الكويت بـ “وطن النهار” يحمل دلالة رمزية عميقة؛ فالنهار هو زمن الوضوح والعمل والبناء، وهو ما يعكس طبيعة هذه الدولة التي استطاعت أن توازن بين الحفاظ على هويتها الأصيلة والانفتاح على العالم.
ومن منظور الحوكمة الرشيدة، تمثل الكويت نموذجًا لدولة تسعى إلى تحقيق جودة الحياة، وتعزيز الاستقرار الاجتماعي، وترسيخ قيم العدالة والتكافل.
وبين جذور مصرية أصيلة ونشأة كويتية راسخة، تتكوّن هوية إنسانية متكاملة لا تعرف التناقض، بل تقوم على الانسجام.
فحب مصر لا يتعارض مع عشق الكويت، بل يعزّز الشعور بالانتماء الإنساني الأوسع، حيث تتلاقى القيم وتتكامل التجارب.
في النهاية، تبقى الكويت في وجداني ليست فقط مكان الميلاد، بل وطنًا للنشأة والتكوين… وطنًا أضاء لي الطريق كما يفعل النهار، ومنحني من الاحتواء والطمأنينة ما يجعلني أقول بكل يقين: إنها وطني الثاني الذي لم أختره صدفة، بل عشته قدرًا جميلًا، فاستحق أن يُعشق.
اقرأ أيضا




