توبكُتّاب وآراء

خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: أسماء ودلالات

كنتُ أُخرج برنامجاً تلفزيونياً في تلفزيون الشارقة بالإمارات العربية المتحدة، يحمل عنوان “أسماء ودلالات”، رفقة الإعلامي المتألق علاء الطائي، وكان البرنامج يغوص في أعماق اللغة العربية باحثاً عن الروح المختبئة خلف الأسماء، تلك الروح التي منحها الأجداد لأبنائهم وأحيائهم ومدنهم، فجاءت الأسماء وعوداً بمعانيها قبل أن تكون مجرد ألفاظ تُنطق.
وبينما كنتُ أتابع مسلسل “زينهم” الذي يشغل الشاشات هذه الأيام، وقفتُ طويلاً أمام هذا العنوان اللافت الذي يحمل في طياته حكايةً من حكايات الأسماء المظلومة. فـ”زينهم” اسمٌ عربيٌّ أصيل، يفيض بالجمال والفخر؛ إذ يعني “زين واحد فيهم”، أي أجملهم وأبهاهم، وكأن الأجداد حين أطلقوه على ذلك الحي أرادوا أن يقولوا: هنا يسكن بهاء القاهرة وزينتها. غير أن الزمن لم يكن رحيماً، فأطبقت على الاسم مشرحةٌ صارت أشهر معالمه، حتى بات اسم “زينهم” في الوجدان الشعبي مقروناً بالموت والرحيل، لا بالجمال والزينة، وكأن المشرحة سرقت من الاسم روحه وأبقت له قشرته.
وليس “زينهم” وحيداً في هذا المصير المؤلم، فثمة أسماء كثيرة وقعت ضحيةً لما يمكن أن نسميه “انقلاب الدلالة”، حين يُطيح الواقع بالمعنى ويجلس مكانه على العرش. خذ مثلاً “المرج”، ذلك الاسم الذي يُطرب الأذن ويُطعم الخيال بصور المروج الخضراء والمساحات المفتوحة التي ترعى فيها الخيل وتتنفس فيها الأرض؛ اسمٌ يوحي بالانبساط والخضرة والرياح الطليقة. لكن ما إن تذكره اليوم حتى يستحضر الذهن صورةً مغايرة تماماً، صورة العشوائيات التي أطبقت على المعنى وخنقته، فلم يبق من المرج إلا الاسم يُردَّد كشاهد على ما كان.
وكذلك “البساتين”، ذلك الاسم الذي يحمل في حروفه عطر الأشجار المثمرة وخرير المياه بين الجذور، ويستدعي صورة الجنان الأرضية التي ينتشر فيها الظل وتتفتح فيها الأزهار. فأين البساتين من “البساتين”؟ وأين ذلك الخضاب الأخضر من الأسمنت الذي ابتلع الاسم وجثم فوق معناه؟
أما “دار السلام”، فحدِّث ولا حرج. اسمٌ من أسماء الجنة في القرآن الكريم، مشحونٌ بدلالات الطمأنينة والأمان والراحة الأبدية، اختاره الأجداد ليكون عنواناً لحيٍّ يتمنون له السكينة والوداعة. ثم جاءت الأيام بما جاءت به، فصارت “دار السلام” في المخيلة العامة موصوفةً بما لا يليق أن نذكره جنباً إلى جنب مع اسم الجنة.
إن ما يحدث لهذه الأسماء ليس مجرد تحولٍ لغوي عابر، بل هو وثيقةٌ اجتماعية صادقة تكشف عن صورة المكان وأحواله، وعن الهوّة التي تتسع أحياناً بين الحلم الذي أرادته الأسماء والواقع الذي فرضته الأيام. الاسم الجميل لا يُقاوم وحده موجات الإهمال والفقر والعشوائية، وحين تنقضّ الظروف على المكان تنقضّ معها على اسمه، فتكسر ظهر دلالته وتقلب معناه رأساً على عقب.
كنا في برنامج “أسماء ودلالات” نؤمن بأن في كل اسم روحاً تستحق أن تُصان، وأن اللغة العربية لم تمنح أجدادنا تلك الثروة من الأسماء الجميلة لتُدفن تحت ركام الإهمال. وربما كان الوفاء الحقيقي لهذه الأسماء أن نسترد معانيها لا بتغيير اللافتات، بل بتغيير الأحوال، حتى يعود “زينهم” زينةً، و”المرج” مرجاً، و”البساتين” بساتين، و”دار السلام” داراً يسكنها السلام حقاً.
فالاسم الجميل أمانةٌ، ومن خانها لم يخن حروفاً وأصواتاً، بل خان وعداً قطعه الأجداد مع المستقبل.

كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي

 إقرأ أيضا

خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: الكلاب الضالة في مصر

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى