د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الوصول إلى البحر بالإتفاق لا بالإستقواء
لو أن جميع الدول الحبيسة فى أفريقيا والعالم سلك المسلك الأثيوبي بالتهديد والوعيد والإستقواء بإسرائيل المارقة وغيرها من الخارج للوصول إلى منفذ على البحر أو المحيط لسقطت القارة بأكملها فى مستنقع وحل النزاعات والصراعات المسلحة فيما بينها ..
فالقارة الأفريقية التى تضم خريطتها 53 دولة تعيش بينها 16 دولة حبيسة لا منفذ لها على بحر أو محيط فى مقدمتها أثيوبيا الدولة الأكثر سكاناً والتى فقدت منافذها على البحر الأحمر فى عام 1993 بإستقلال إريترياوإنفصالها عنها..
هذه الدول – وهى بوركينا فاسو وبورندي وجمهورية أفريقيا الوسطى وتشاد وليسوتو وملاوي ومالي والنيجر ورواندا وجنوب السودان واسواتيني (مملكة سوازيلاند) وأوغندا وأثيوبيا وزامبيا وزيمبابوى وبوتسوانا – تعيش فى سلام مع جيرانها التى وفرت لها سبل الوصول إلى البحر تجارياً وإقتصادياً ..
لقد إرتضى نظام الحكم فى أثيوبيا منذ عام 1993 هذا الوضع سبيلاً للعيش مع جيرانه فى منطقة القرن الأفريقي ورتبت أثيوبيا أمورها بشأن دخول وخروج وارداتها وصادراتها بالإتفاق مع جارتها جيبوتى مروراً بإقليم عفر الأثيوبى المتاخم لجيبوتى ..
غير أن نظام حكم آبى أحمد الحالى الذى لم يترك سبيلاً منذ مجيئة إلى سدة الحكم فى 2018 إلا وفجر نزاعات وخلافات مع جيرانه شمالاً وشرقاً وجنوباً بالإستقواء بإسرائيل وبعض القوى الغنية فى الإقليم الكارهة لإستقرار الشعوب الأفريقية ، وما لبث هذا النظام أن تمرد على هذا الوضع السلميفى الإقليم بالسير ضد الإتجاه الأفريقى السائد والبصق على صلة الجوار وأمشاج الأخوة الأفريقية رافعاً التهديد بإستخدام القوة لفتح سبيلٍ إلى البحر على حساب سيادة الدول المجارة ..
حتى أن الداخل الأثيوبى لبلاده التى يطلق عليها مسميات مثل “متحف القوميات” أو “فسيفساء الشعوب العرقية” لإحتوائها على أكثر من 78 قومية عرقية وإثنية لم تسلم هى الأخري من نهجه السلطوي ليتحول الأمر إلى حروب أهلية يشنها “التيجراى” و”الأمهرا” تجرى رحاها الآن فى الشمال المتاخم لإريتيريا والشرق المتاخم لجيبوتى والغرب المتاخم للسودان والتى يتحالف فيها سبعة أقاليم أثيوبية ضد الحكومة المركزية فى أيس أبابا التى إستأثرت بالسلطة والثروة فزادتهم فقراً على فقر ، بما يتعارض مع النظام الفيدرالى الذى إرتضوه قبل مجيئه ، وسط تحذيرات من إتساع تداعيات هذا الصراع إلى دول أخري فى القرن الأفريقي..
وكان الملف الأثيوبي للوصول إلى البحر قد فجر أزمة حاده بين أثيوبيا والصومال فى يناير 2024 بعدما وقعت حكومة آبى أحمد مذكرة تفاهم مع إقليم أرض الصومال الإنفصالى “صومالي لاند” بشأن الحصول على موطىء قدم بحري مقابل إعتراف أثيوبى بالإقليم الإنفصالي ..
ورفضت الحكومة الصومالية الإتفاق معتبرة أن إقليم أرض الصومال الإنفصاليالذى لم يعترف به سوى إسرائيل التوسعية هو جزء من الأراضي الصومالية وأن أى إتفاق يتعلق بمياهه الإقليمية أو أراضيه يجب أن يتم عبر الحكومة الفيدرلية فى مقديشيو ..
وفى ديسمبر عام 2024 توصلت الصومال وأثيوبيا بوساطة تركية إلي “إعلان أنقرة” الذى أكد إحترام سيادة الصومال ووحدة وسلامة أراضيه مع الإتفاق على العمل من أجل ترتيبات تجارية ثنائية تتيح لأثيوبيا وصولاً موثقاً وآمناً ومستداماًإلى البحر تحت السيادة الصومالية ، غير أن أديس أبابا لم تقنع بما توصلت إليه ..
يأتى هذا الأمر فى وقت تشهد فيه منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر تحولات أمنية وسياسية متسارعة مع تصاعد التوترات المرتبطة بأمر الملاحة والموانىء والنفوذ الإقليمى على ضوء الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران والإقتتال الدائر بين الحوثيين والحكومة اليمنية والتنمر على الملاحة فى باب المندب ..
وفى النهاية ، فإنه بالرغم من هذا العدد الكبير للدول الحبيسة فى أفريقيا ، إلا أنها عاشت فى سلام مع جيرانها التى سمحت لها بالوصول الآمن إلى البحر شرقاً وإلى المحيط غرباً وجنوباً دون غضاضة لأن أنظمتها الحاكمة لم تلجأ – كما فعل آبى أحمد – إلى تهديد أو وعيد أو إستقواء بالخارج أو جلبت لجيرانها زمرة المتنمرين الكارهين للشعوب الأفريقية وعرقلة تنميتها وتعميرها..
وإمعاناً فى النهج الوحدوى والسلطوى تجاه الخارج والداخل الأثيوبى لحكومة آبى أحمد منذ 2018 وتوسيع الهوة الخلافية مع الدول المجاورة والمتشاطئة لنهر النيل ، يتواصل التلاسن والتصريحات الرسمية غير المسئولة التى تصدر عن أنصارة تجاه الآخرين والتى تزيد الوضع توتراً فى منطقة القرن الأفريقى والتى لا تترك مجالاً لمساعٍ من أجل تصفية الأجواء الإقليمية بين الأفارقة ..
يتصدر تلك المغالطات والتصريحات الأثيوبية غير المسئولة ، إستفزازات يتوالى خروجها من عناصر هذا النظام ضد مصر بشكل شبه يومى بشأن سد “الخراب الأثيوبى” الذى أقيم على نحو غير مشروع والتلويح بإقامة مشروعات أحادية أخرى على النهر فى ظل إستقواء هذا النظام بأعداء مصر من الصهاينة وغيرهم من المتنمرين ذوى الأقنعة المهترئة المكشوفة..
ولولا رشادة القيادة السياسية المصرية وإتزانها لوقعت فى فخ الرد على هذه الإستفزازات الأثيوبية التى لا تهدف سوي إلى التعمية علي إخفاقات نظام أديس أبابا الداخلية والحروب الأهلية الدائرة فى أثيوبيا توطئة للخروج من المأزق الذى سقط فيه..
( كاتب المقال د. محمد المنشاوي سياسي وأديب ، نائب رئيس تحرير وكالة أنباء الشرق الاوسط للشؤون الدولية والتعاون الدولي ، وكبير محرري شئون رئاسة الجمهورية سابقًا ، والحائز على جائزة “ملهم الدولية – وشخصية العام لسنة ٢٠٢٤ ” فى مجال الإعلام الهادف والتثقيف السياسي ” من منتدى رواد الأعمال العرب).
اقرأ أيضا – د. محمد المنشاوي يكتب لـ «30 يوم»: الإمام الحسين وقدسِية الكلمة




