توبكُتّاب وآراء

الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: إتقان الصبر قوة خفية تُعيد تشكيل الإنسان

في عالمٍ سريع الإيقاع، يُقاس فيه النجاح بالنتائج الفورية، يبدو الصبر وكأنه مهارة منسية. لكن الحقيقة النفسية العميقة تقول عكس ذلك تمامًا..  الصبر ليس مجرد تحمّل، بل هو قدرة عقلية متقدمة تُعيد برمجة طريقة تفكيرنا واستجابتنا للحياة.

من منظور علم النفس، يرتبط الصبر بما يُعرف بـ تنظيم الانفعالات (Emotional Regulation)، وهي القدرة على إدارة المشاعر بدل أن تسيطر علينا. الإنسان الصبور لا يُولد هكذا، بل يُدرّب دماغه — تحديدًا القشرة الجبهية الأمامية (Prefrontal Cortex) — على اتخاذ قرارات هادئة بدل ردود الفعل العاطفية السريعة التي يقودها الجهاز الحوفي (Limbic System).

الصبر أيضًا مرتبط بمفهوم تأجيل الإشباع (Delayed Gratification)، وهو أحد أهم مؤشرات النجاح في الدراسات النفسية. تجربة “المارشميلو” الشهيرة أثبتت أن الأطفال الذين استطاعوا الانتظار للحصول على مكافأة أكبر لاحقًا، كانوا أكثر نجاحًا في حياتهم لاحقًا. لماذا؟ لأنهم امتلكوا القدرة على السيطرة على الدوافع، وهذه مهارة جوهرية في كل إنجاز كبير.

لكن الصبر ليس سكونًا… بل هو نشاط داخلي ذكي.. هو أن تتحمّل الألم دون أن تفقد الاتجاه، وأن تستمر رغم غياب النتائج، وأن تثق بالمسار حتى عندما لا ترى النهاية.

من الناحية العصبية، كل مرة تمارس فيها الصبر، أنت تُقوّي “المسارات العصبية” المرتبطة بالتحكم والانضباط. بمعنى آخر:

الصبر يُبنى… ومع كل مرة، يصبح أسهل.

وهنا تكمن المفارقة:

الإنسان الذي يتقن الصبر، لا يصبح بطيئًا… بل يصبح أكثر دقة، أكثر وعيًا، وأكثر سيطرة على حياته.

وفي النهاية:

الصبر ليس انتظارًا سلبيًا، بل هو قرار واعٍ بأنك أقوى من اللحظة، وأذكى من رد الفعل، وأبعد نظرًا من النتيجة السريعة.

ومن يتقن الصبر… لا يتقن شيئًا واحدًا فقط، بل يتقن نفسه ومن أتقن نفسه، أتقن كل شيء.

كاتبة المقال .. الإعلامية الدكتورة كريمة الشامي الجزائري … بروفيسورة في علم النفس – هيوستن.

اقرأ أيضا

الإعلامية الجزائرية د.كريمة الشامي تكتب لـ «30 يوم»: إلى السيدات المقبلات على الطلاق… كلمة من القلب

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى