الإعلامي حمدي رزق يكتب: ما يقعد على المداود الإلكترونية إلا شر البشر
منسوب لابن حزم الأندلسى مقولة «من تصدّر لخدمة العامة، فلا بد أن يتصدق ببعض من عرضه على الناس، لأنه لا محالة مشتوم، حتى وإن واصل الليل بالنهار». أعتقد إنها تعزية مناسبة لمن يتصدى لخدمة الناس، لا محالة مشتوم حتى وإن واصل الليل بالنهار، لن يرضى عنه أحد، ولن يشكره على حسن صنيعه كائن من كان.
المسؤول ممتحن، الخدمة العامة لم تعد تجلب سوى الشرور، ولا تخلف سوى الألم، هناك من يتعقب المسؤول، ويتربص به الدوائر، ويقف على كل شاردة وواردة، وإن لم يجد نقيصة ألصقها زورًا وبهتانًا لغرض فى نفسه، والغرض مرض، والأذية طبع الغراب النوحى، ينوح حتى فى الأفراح، ولم يستطعم الحمد والشكر، وإن شكرتم لأزيدنكم وعد السماء.
ما يقعد على المداود الإلكترونية إلا شر البشر، يصدق فيهم المعنى القرآنى الكريم، كل حلاف مهين هماز مشاء بنميم، ابتلينا بطائفة من هاتكى الأعراض، مستبيحى الحرمات، تراهم لعانين شتامين، وكأن مجرور صرف صحى انفجر فى وجوهنا، الشتم بات ع المشاع، واستباحة الأعراض من العاديات، واللعن على السبحة، والكل إلا من رحم ربى مشتوم ولأتفه الأسباب، وبأحط الألفاظ والنعوت، والاستباحة طقسًا، ولا يرعوون لحرمات ولا محرمات.
النقد الصحى الذى يحمل تصويبًا وتوجيهًا، ما يقبله المتصدر للخدمة العامة (وزير أو خفير أو مدير مسؤول)، ويستسيغه، ويعينه على تصويب خطاه، تحبيط أصحاب الهمم بالشتم واللعن والبذاءة، والسخرية من الأعمال والمسخرة على الأقوال، وتسفيه الجهد المبذول، ما يخلف إحباطًا عامًا، وإحباط الأعمال الطيبة، تترجم بطلانها وزوال تأثيرها الحميد.
فى الفضاء الإلكترونى مخطط ممنهج وموجه لإحباط المجيدين، وتسفيه الموهوبين، ما يخلق تيارًا عامًا بالعدمية، والعدمية مذهب ينكر وجود أى معنى جوهرى، أو هدف حقيقى، أو قيمة أخلاقية مطلقة فى الحياة، تعنى لا شيء، إنكار المعلوم بالضرورة، وتصدير فكرة أنا استفدت إيه، تعقيبًا على كل عمل فيه نفع عام.
العدمية التى نتترى فى وهادها تترجم ازدراءً لقيمة الآمال وتحبط فكرة النفع العام، والمقصود احباط كل عمل أو نشاط أو مشروع يهدف إلى تحقيق المصلحة والفائدة لعموم أفراد المجتمع، ويدور المجتمع فى فراغ يبحث عن القيمة المضافة فلا يحصد سوى هشيما تذروه الرياح.
ابتلينا بنفر مفلوت، بوجه مكشوف، وجوه كالحة ودماء مالحة، لا يخجل من الإتيان بالبذاءة التى تترجم شتمًا وتجاوزًا فى حق من يتصدر للخدمة العامة. بين ظهرانينا من يقطع الطريق على الصالحين بالبذاءة، ويجهر بالبذاءة، بالفاحشة، البذاءة مذهب، والسباب المقذع لغة.
عرفنا قديمًا فنون الهجاء ومنها شعر الهجاء، يستخدمه الشاعر للتعبير عن السخط، والاشمئزاز، وذكر العيوب والمثالب فى من يستحضرهم كأعداء أو خصوم، ومن أشهر أبيات الهجاء، «شَعْرُكَ مِثْلُ وَجْهِكَ مِثْلُ حَظِّى.. سَوَادٌ فِى سَوَادٍ فِى سَوَادٍ»،
حتى شعر الهجاء كان فنًا، لا يجرح كفًّا ولا يدمى وجهًا، يخلو من الفحش، ما ينفر عنه الطبع السليم، ويستنقصه العقل المستقيم، وكل شىء جاوز الحد فهو فاحش، وأفحش الرجل من أتى بالفحش، القول السيئ، للأسف يسود الفحش، والتفحش، ويتفحش الفاحش ببذاءة ترسمه صنديدًا فى عيون المتفحشين.
أعلاه وصف حال، أبدًا ليس مدعاة للإحباط أو القنوط، لو استسلم المسؤول للشعور بالغبن والقهر، والإحساس بعدم التقدير، يكلفه ما تبقى من وقوده الحيوى المطلوب لإنجاز الأعمال، فيسقط من حالق فى صدع نفسانى عميق، أخشى تسود الدنيا فى وجهه لا يرى سوى القبح يحيطه من كل جانب، فتفتر همته، ويضعف عزمه، ويستسلم للإحباط وهذا شعور مريع.




