كُتّاب وآراء

أحمد زحام يكتب لـ «30 يوم»: أهل مصر.. يد بيدي

في زيارتي الأولى لمستشفى أهل مصر للحروق ، وأثناء ورشة الحكي مع الأطفال، جلس إلى جواري طفل أظن أن اسمه سمير كنا نتحلّق حول مائدة مستديرة، نحاول أن نصنع من الحكايات نافذة صغيرة تطلّ على عالم أقل قسوة.

بدأت الورشة، وبدأ الأطفال ينصتون ويتفاعلون، لكن شيئًا ما ظل يشد انتباهي ..كانت يد سمير اليمنى مختبئة طوال الوقت داخل سترته، كأنه يحاول أن يخفيها عن عيون العالم، أو يحميها من سؤال لا يريد الإجابة عنه.

أدركت أنها اليد التي طالتها الحروق.

طلبت منه برفق أن يُخرجها ويضعها أمامه على الطاولة. ربما تردّد، وربما كان ينتظر مني نظرة شفقة أو دهشة، لكنه أخرجها، فمددت يدي وأمسكت بها.

ظللت ممسكًا بيده طوال الورشة.

لم أكن أعرف ماذا يمكن أن أقول لطفلٍ تركت الحروق آثارها على جسده، ولا كيف يمكن للكلمات أن تُخفّف وجعًا لا أعرف حجمه. لم أرد أن أُشعره بأنني أراه مختلفًا، أو أن يده تحتاج إلى تفسير. أردت فقط أن يشعر، ولو للحظات، أن هناك من يستطيع أن يمسك يده دون خوف، وينظر إليه دون شفقة، ويجلس إلى جواره دون أن يطلب منه أن يُخفي شيئًا.

واصلنا الحكي، وظلت يده الصغيرة في يدي.

لا أعرف إن كان سمير قد فهم ما أردت أن أقوله له، لكنني، في تلك اللحظة، شعرت أن الحكاية لم تعد حكاية أرويها للأطفال، بل حكاية يرويها طفل بيده الصامتة، ويعلّمني أنا كيف يكون الإصغاء، وكيف يمكن للمسة صادقة أن تقول ما تعجز عنه الكلمات.
ربما جاء الأطفال إلى الورشة ليسمعوا حكاية، لكن سمير ترك لي حكاية لن أنساها.

حكاية عن يدٍ حاولت أن تختبئ، فمددتُ يدي إليها.

وعن طفلٍ ربما كان يحتاج، أكثر من أي شيء آخر، إلى أن يشعر بأن العالم لا يزال قادرًا على أن يلمسه بحنان.
ومن تلك اليد، وُلدت هذه الحكاية سمير الذي رأى العالم بيده وبيدي.

موضوعات ذات صلة 

أحمد زحام يكتب لـ «30 يوم»: الرداء الأخير لثقافة الطفل

أحمد زحام يكتب لـ «30 يوم»:محمد صلاح صانع البهجة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى