أحمد زحام يكتب لـ «30 يوم»: الرداء الأخير لثقافة الطفل
عشت حياتي الماضية مشاركًا في الحدث؛ أسمع، وأرى، وأتكلم، وأحاول أن أفعل شيئًا حتى انتهيت اليوم إلى الفرجة.
وطبعًا لا يعجبني الحال، بل يتملكني الغيظ مما آلت إليه ثقافة الطفل في المحروسة.
هناك عبارة نقولها في بورسعيد تختصر كثيرًا مما يحدث:
سيبك منه.. ده حنجوري على الفاضي
نتكلم كثيرًا، نطلق المبادرات، نعقد الاجتماعات، نقيم المؤتمرات، ونكتب التصريحات الرنانة… ثم لا يحدث شيء.
تعالوا نتوقف عند بعض المحطات والعناوين التي شهدتها الأيام والشهور السابقة.
المحطة الأولى ) نبتة (
تتذكرون نبتة .. تلك المبادرة التي أُطلقت في صيف العلمين الجديدة قبل عامين، وكانت بمثابة طلقة البداية، وحشدت لها كل الإمكانيات، وأغرقونا وقتها بحديث عن حياة جديدة في عالم ثقافة الطفل.
فلنقرأ الخبر كما نُشر:
( يعتبر مهرجان نبتة أكبر مشروع قومي مصري لبناء وعي الطفل، وانطلقت دورته الأولى في أغسطس 2024 بمدينة العلمين الجديدة برئاسة الفنان أحمد أمين) .
ويبقى السؤال الذي يفرض نفسه:
أين نبتة الآن؟ وأين الفنان أحمد أمين؟
هل كانت نبتة مشروعًا حقيقيًا له خطة واستمرارية، أم مجرد موسم انتهى بانتهاء الأضواء؟
المحطة الثانية: ثقافة الطفل على الهواء
في إحدى حلقات برنامج عمرو أديب، فُتح ملف ثقافة الطفل.
حدثت مداخلة أو أكثر، وفجأة امتلأت مواقع التواصل الاجتماعي بكتاب ومثقفي المعمورة، وكل واحد أدلى بدلوه: هذا ينتقد، وذاك يقترح، وثالث يشرح، ورابع يقدم روشتة كاملة لإنقاذ ثقافة الطفل.
كلام جميل.. ومبهر أحيانًا.
لكن ماذا حدث بعد انتهاء الحلقة؟
انتهى كل شيء.. ولم يحدث شيء.
وهذه هي المشكلة: أننا بارعون في الكلام عن الأزمة، وأقل براعة بكثير في صناعة الحل.
المحطة الثالثة: لجنة فنون الطفل
سأحكي لكم عن تجربتي في لجنة فنون الطفل بالمجلس الأعلى للثقافة.
في كل مرة شاركت فيها، كنت أخرج بالنتيجة نفسها:
صفر.
وليس لأن أعضاء اللجنة لا يعرفون ماذا يفعلون، أو لأنهم يفتقدون الخبرة.
على العكس تمامًا، ففي كل مرة يشارك في عضويتها أساتذة أجلاء ومتخصصون في مجالات ثقافة الطفل.
تعرفون لماذا تكون النتيجة صفرًا؟
لأن اللجنة، ببساطة، بلا صلاحيات طبقًا للائحة.
فماذا ننتظر من لجنة تجمع أفضل المتخصصين، ثم تمنحهم حق الكلام فقط، وتسحب منهم القدرة على اتخاذ القرار أو تحويل المقترحات إلى فعل؟
هل نريد لجانًا تتحدث، أم مؤسسات تستطيع أن تفعل؟
المحطة الأخيرة.. وليست الأخيرة
منذ أيام، أو قل منذ بضعة أسابيع، اجتمع القائم بأعمال الوزير مع قيادات ثقافة الطفل.
اجتماع آخر.
كلام آخر.د
وعود أخرى.
وماذا تغير؟
ما زال الحال على ما هو عليه.
وهنا أصل إلى المشكلة الرئيسية من وجهة نظري:
أغلب العاملين في هذا المجال على المستوى التنفيذي موظفون.
والموظف، هو الذي يفكر ، ويخطط ، وتختلط الأهواء مع المصالح .
مهما كان مخلصًا وكفؤًا.
لذلك لا يمكن أن نحمّله مسؤولية إنقاذ ثقافة الطفل.
ثقافة الطفل ليست نشاطًا هامشيًا نلجأ إليه في المواسم، ولا مجموعة فعاليات لالتقاط الصور، ولا مؤتمرات تنتهي بتوصيات تحفظ في الأدراج.
ثقافة الطفل صناعة وعي، وصناعة مستقبل.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي لم يعد: ماذا قلنا عن ثقافة الطفل؟
بل:
ماذا فعلنا؟
ومَن يملك القرار؟
ومَن يملك الصلاحية؟
ومَن سيحاسَب إذا ظل الملف يدور في الدائرة نفسها عامًا بعد عام؟
أنا لا أبحث عن صراع مع أحد، ولا أريد أن أضع أحدًا في قفص الاتهام.
لكنني، بعد سنوات طويلة من العمل في هذا المجال، أرى أن الوقت حان لأن نتوقف عن ارتداء الرداء الأخير لثقافة الطفل ونكتفي بالوقوف أمام المرآة نتحدث عن جماله.
نريد فعلًا.. لا مزيدًا من الكلام.
لأن الطفل المصري لا ينتظر مؤتمرًا جديدًا، ولا لجنة جديدة، ولا تصريحًا جديدًا.
هو ينتظر أن يجد ثقافة تليق به.
موضوعات ذات صلة
أحمد زحام يكتب لـ «30 يوم»: وزيرة الثقافة الجديدة.. هل تبدأ معركة الوعي؟
أحمد زحام يكتب لـ «30 يوم» : هو فيه إيه؟



