الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: قراءة في ديوان « لاهدنة للماء» للشاعر توفيق أحمد
عندما تدخل الى عالم توفيق أحمد الشعري تتحول إلى حالة من الدهشة تصيبك وأنت تقرأ نصوص شعره التي تغص حدّ الجمال بالتميز.
فالماء عنده ليس ماء بالمعنى الطبيعي وحده، كما أن الغيم ليس غيمًا، والبحر ليس بحرًا، والريح ليست ريحًا، والنخيل ليس مجرد شجر.
كل هذه العناوين تتحول إلى لغة ثانية للإنسان.
الماء هو الحركة،
والريح هي القلق،
والغيم هو الانتظار،
والمطر هو الانبعاث،
والبحر هو المجهول،
والشجرة هي الجذر والذاكرة.
والنار هي الرغبة،
والرحيل هو الغربة،
والعودة هي سؤال لا يملك الإنسان دائمًا القدرة على الإجابة عنه.
لايتحدث هذا الديوان عن موضوع واحد، بقدر ما يبدو كتابةً متواصلة عن الإنسان وهو يعبر امتحانات الوجود، الولادة ، الرحيل، والمنفى، والحب، والغ…
والغيم والمطر والبحر والريح بكثافة، كلها عناصر تفتح للروح أبواباً لا يفتحها الواقع.
الأب: حضور الأب الذاكرة الأولى للوطن من أكثر الحضور حميمية في الديوان، لأنه لا يأتي منفصلاً عن المكان. حين يستدعي الشاعر أباه، يستدعي معه البيت والطفولة والتفاصيل التي لم يعد يستطيع استعادتها إلا بالكلمة.
الالتفات إلى الأب هو التفات إلى الجذر، إلى زمن كان فيه العالم أكثر وضوحاً، وكانت الأشياء الصغيرة تمتلك قدرةً أكبر على منح الحياة معناها.
ولهذا لا يصبح الأب مجرد شخصية في الذاكرة، وإنما جزءاً من الجغرافيا الداخلية للشاعر،تذكره بالعودة إلى مكان لم يعد موجوداً إلا في الروح.
الأم: الوجع الذي يتكلم بصوت الحياة ،تظهر في مساحة أكثر قرباً من الجسد والولادة والألم. وحين يذكر الشاعر صرختها، لا تبدو الصرخة مجرد حدث عائلي؛ إنها صرخة الحياة نفسها أمام عالم مثقل بالحزن.
الأم في الديوان هي الطرف الآخر من الوطن: إذا كان الوطن هو الأرض، فالأم هي الجذر الإنساني لهذه الأرض.
ولهذا فإن استدعاء الأم يحرر الشعر من التجريد. فوسط الريح والبحر والغيم والسفر والموت، تأتي الأم لتعيد كل شيء إلى بدايته: إلى رحمٍ خرج منه الإنسان وإلى بيتٍ بدأ منه العالم.
الذاكرة: مقاومة النسيان
الذاكرة ليست خلفيةً في الديوان، وإنما إحدى قواه الأساسية. الشاعر يعرف أن ما يهدد الإنسان ليس الفقد وحده، بل أن يصبح الفقد قابلاً للنسيان.
لذلك يستعيد التفاصيل الصغيرة: البابونج المتدلي من الشرفة، بيوت الطين، الخبز، النخيل، الشجر، الأزقة، الليل، البحر. هذه الأشياء تتحول إلى أرشيف شعري.
الشاعر توفيق أحمد لا يحفظ الأحداث فقط، بل يحفظ رائحتها وملمسها وصورتها.
ومن هنا تأتي قيمة التفاصيل في الديوان إنها الطريقة التي تقاوم بها الذاكرة محو الزمن.
الريح والماء: ثنائية الحركة وعدم الاستقرار
الريح والماء من أكثر الرموز التصاقاً بالبنية الداخلية للديوان.
كلاهما يتحرك، وكلاهما يرفض الحدود، لكن الماء أكثر اتصالاً بالاستمرار، بينما الريح أكثر اتصالاً بالقلق والتحول.
إذا كانت الريح تمثل ما يقتلع الإنسان من مكانه، فإن الماء يمثل ما يبقى جارياً داخله.
ومن هنا يصبح عنوان الديوان مفتاحاً بالغ الدلالة: لا هدنة للماء؛ أي لا هدنة للذاكرة، ولا هدنة للحب، ولا هدنة للأسئلة، ولا هدنة للروح التي ما زالت تبحث عن معنى،
بين الحب والوطن
من أجمل ما يفعله الديوان أنه لا يفصل الحب عن الوطن، كلاهما غياب وحضور في الوقت نفسه، كلاهما مكان نبحث عنه حين نفقده، وكلاهما يمكن أن يتحول إلى منفى إذا عجز الوصول إليه.
ولهذا تبدو المرأة أحياناً كأنها وطن صغير، ويبدو الوطن أحياناً كأنه امرأة غائبة.
وفي الحالتين يبحث الشاعر عن شيء واحد: عن مكان يستطيع القلب أن يتوقف فيه عن الرحيل.
وفي الختام أستطيع أن أوصف ديوان «لا هدنة للماء»
ديوان عن الإنسان الذي يعيش في حالة عبور دائمة.
السفر فيه ليس طريقاً، بل مصير.
والوطن ليس أرضاً فقط، بل ذاكرة.
والمرأة ليست حبيبة فحسب، بل اختبار للروح.
والحلم ليس هروباً، بل مقاومة.
والشهيد ليس غياباً، بل استمراراً.
والأب والأم ليسا مجرد ذكريات، بل الجذران اللذان يعود إليهما الإنسان كلما اشتدت غربته.
ولهذا تتجمع قصائد الديوان، على اختلاف موضوعاتها، حول سؤال واحد عميق:
كيف يستطيع الإنسان أن يبقى إنساناً حين يصبح العالم نفسه سبباً دائماً للرحيل؟
وقد أبدع الشاعر بالجواب ، لكنه لم يجيبنا مباشرة ، بل ترك الجواب
يجري في قصائده مثل الماء اقد يتغير شكله، وقد يعترضه الحجر، وقد يبتعد عن منبعه، لكنه لا يكف عن البحث عن طريقه.
وهنا تكمن فلسفة العنوان: لا هدنة للماء، لأن لا هدنة للروح.
اقرأ أيضا– الأديبة السورية هيام سلوم تكتب لـ «30 يوم»: «دمشق تغني ليوسف وسليمى»



