كتب- الداعية/ أحمد طه فرج
ليس للآية الكريمة (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) [التكاثر: 8] سبب نزول خاص ومحدد مستقل عن نزول السورة بأكملها، بل هي خاتمة سورة التكاثر التي نزلت تحذير التكاثر والتفاخر بالدنيا.
وقد وردت أحاديث نبوية وآثارعن الصحابة تبين المراد بالنعيم وتسجيل استفسار بعض الصحابة عند نزول الآية:
وسأل الزبير بن العوام رضي الله عنه النبي صلّ الله عليه وسلم حين نزلت الآية فقال: يا رسول الله، فأي النعيم نُسأل عنه وإنما هما الأسودان: التمر والماء؟
فقال النبي صلّ الله عليه وسلم: (أما إنه سيكون)، أي سيقع ويأتي النعيم الكثير.
وردت روايات أن النبي صلّ الله عليه وسلم وأبا بكر وعمر خرجوا جياعاً في ساعة لا يخرجون فيها، فأتوا منزلاً لأبي الهيثم بن التيهان فأطعمهم رطباً وذبح لهم عناقاً.. والعناق (صغار الماعز -الأنثى منها تحديداً) لإكرامهم وتقديم الطعام لهم.. وسقاهم ماءً بارداً، فقال النبي صلّ الله عليه وسلم: (هذا من النعيم الذي تُسألون عنه).
معنى النعيم:
اختلف المفسرون في “النعيم” المسؤول عنه، فقيل: الأمن والصحة والعافية، وقيل: الطعام والشراب الطيب، وقيل: شكر نعم الله كلها من سمع وبصر وصحة وفراغ …الخ
وجاء ختم سورة التكاثر بقوله تعالى: ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعيمِ”التكاثر: 8″ بعد ذكر الجحيم والوعيد لبيان أن كل نعيم استمتع به الإنسان في الدنيا من أمن وصحة ورزق وطعام وشراب سيُحاسب عليه يوم القيامة.
اقرأ أيضا– نسائم الجمعة.. مالفرق بين علم وعين وحق اليقين في رؤية جهنم يوم القيامة (1)
ماالحكمة من السؤال عن النعيم بعد الجحيم:
هو التوبيخ والتقريع للكافرين.. السؤال هنا للكفار هو سؤال تقريع وتوبيخ؛ لأنهم استمتعوا بنعم الله في الدنيا فكفروا بها ولم يشكروها، وألهاهم التكاثر عن طاعته فأوردهم الجحيم.
وبعد أن رأوا الجحيم وعاينوها حق اليقين، يأتي السؤال عن أصل النعيم الدنيوي الذي أطغاهم وأنساهم الآخرة، ليعلموا أنهم سُئلوا عن تضييع حق الله في تلك النعم…
وأتى بكلمة “ثم” التي تفيد التراخي والتباعد في الأهوال، للدلالة على أن عذاب الجحيم ليس نهاية المطاف فحسب، بل يتبعه حساب دقيق ومساءلة شاملة عن كل لذة ونعمة أُخذت من الدنيا.
السؤال في الآية عام للمؤمن والكافر( فهو للمؤمن سؤال تشريف وتبيان لشكر النعم وإثابة، وللكافر سؤال توبيخ وعذاب).
تفسير الطبري
ومعنى قول الله تعالى : ( ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ ) التكاثر/8 : أي ” ثم ليسألنكم الله عز وجل عن النعيم الذي كنتم فيه في الدنيا : ماذا عملتم فيه ، ومن أين وصلتم إليه ، وفيم أصبتموه ، وماذا عملتم به ؟ “تفسير الطبري ” (30/365) .
واختلف أهل التفسير في المقصود من النعيم المسئول عنه فقيل:
1- أنه الصحة والأمن .
2- أنه العافية .
3- أنه الصحة والفراغ .
4- أنه الإدراك بحواس السمع والبصر .
5- بعض ما يطعمه الإنسان ويشربه .
6- الغداء والعشاء .
7- شبع البطون .
8- كل ما التذه الإنسان في الدنيا من شيء .
والصحيح من القول في ذلك هو أن النعيم المذكور في الآية عام يشمل كل ما يتنعم الإنسان به ، فيدخل فيه كل أصناف النعم من طعام وشراب وملبس وسكن وصحة وعافية وحواس وغير ذلك .
قال الطبري في تفسيره (30/370) : والصواب من القول في ذلك أن يقال : إن الله أخبر أنه سائل هؤلاء القوم عن النعيم ، ولم يخصص في خبره أنه سائلهم عن نوع من النعيم دون نوع ، بل عمّ بالخبر في ذلك عن الجميع ، فهو سائلهم كما قال عن جميع النعيم ، لا عن بعض دون بعض …
النعيم .. هو الرسول صلّ الله عليه وسلم
ذكر الإمام الفخر الرازي في تفسير قوله تعالى : (ثم لتسألن يومئذ عن النعيم) رواية عن جابر الجعفي أنه قال:
دخلت على الإمام محمد الباقر فقال: ما يقول أرباب التأويل في قوله تعالى: ثم لتسألن يومئذ عن النعيم؟
فقلت: يقولون الظل والماء البارد.
فقال: لو أنك أدخلت بيتك أحدا وأقعدته وأسقيته ماء باردا أتمن عليه؟
فقلت: لا.
قال: فالله أكرم من أن يطعم عبده ويسقيه ثم يسأله عنه. فقلت: ما تأويله؟
قال: النعيم هو رسول الله صلّ الله عليه وسلم أنعم الله به على هذا العالم فاستنقذهم من الضلالة… أما سمعت قوله تعالى: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا).. صدق الله العظيم.
اقرأ أيضا – نسائم الجمعة.. كلّا سوف تعلمون.. سر تكرار «كلّا».. وما علاج من قسا قلبه (2)



