توبمنوعات

نسائم الجمعة.. كلّا سوف تعلمون.. سر تكرار «كلّا».. وما علاج من قسا قلبه (2)

كتب – الداعية أحمد طه فرج:

قال تعالى  في سورة ” التكاثر”:  كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ.

يعني ،ما هكذا ينبغي أن يُلْهيكم التكاثر بالأموال، سوف تتبيَّنون أن الدار الآخرة خير لكم.

فما كان لكم أن يشغلكم التفاخر بها عن طاعة الله، سوف تعلمون عاقبة ذلك الانشغال.

وكلمة «كلا» ردع «سوف تعلمون».

كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ. – أي: لو تعلمون ما أمامكم علمًا يصل إلى القلوب، لما ألهاكم التكاثر، ولبادرتم إلى الأعمال الصالحة.

ثم رد الله عليهم فقال: “كلا”، ليس الأمر بالتكاثر، “سوف تعلمون”، وعيد لهم.

وقوله- تبارك وتعالى-: كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ.

ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ردع وزجر عن الانشغال عن طاعة الله، وعن التكاثر بالأموال والأولاد.

وكرر لفظ «كلّا» ثلاث مرات في هذه السورة، لتأكيد هذا الزجر والردع عن كل ما يشغل الإنسان عن وجوه “الخير والبر”.

والتعبير بقوله: سَوْفَ لزيادة الزجر، ولتحقيق حصول العلم، وحذف مفعول تَعْلَمُونَ لظهوره من المقام.

أى: اتركوا التشاغل بالدنيا والتفاخر بالأموال، فإنكم إن بقيتم على ذلك بدون توبة صادقة، فسوف تعرفون سوء عاقبة ذلك معرفة لا يخامرها شك، ولا يفارقها ريب.

وجملة ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ مؤكدة تأكيدا لفظيا للجملة التي قبلها، وهذا التأكيد المقصود منه المبالغة في الردع والزجر والتحذير من التكاثر والتفاخر …

قال الحسن البصري هذا وعيد بعد وعيد وقال الضحاك ” كلا سوف تعلمون ” يعني الكفار.

( كلّا ) قال الفراء : أي ليس الأمر على ما أنتم عليه من التفاخر والتكاثر والتمام على هذا ” كلا سوف تعلمون ” أي سوف تعلمون عاقبة هذا .

علاج من قسا قلبه ولزمه ذنبه

قال العلماء: ينبغي لمن أراد علاج قلبه وانقياده بسلاسل القهر إلى طاعة ربه، أن يكثر من ذكر هاذم اللذات، ومفرق الجماعات، وموتم البنين والبنات، ويواظب على مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين.

فهذه ثلاثة أمور، ينبغي لمن قسا قلبه، ولزمه ذنبه، أن يستعين بها على دواء دائه، ويستصرخ بها على فتن الشيطان وأعوانه؛ فإن أنتفع بالإكثار من ذكر الموت، وأنجلت به قساوة قلبه فذاك، وإن عظم عليه ران قلبه، واستحكمت فيه دواعي الذنب.

فإن مشاهدة المحتضرين، وزيارة قبور أموات المسلمين، تبْلغ في دفع ذلك ما لا يبلغه الأول؛ لأن ذكر الموت إخبار للقلب بما إليه المصير، وقائم له مقام التخويف والتحذير.

وفي مشاهدة من أحتضر، وزيارة قبر من مات من المسلمين معاينة ومشاهدة؛ فلذلك كان أبل من الأول؛ قال صلّ الله عليه وسلم: ( ليس الخبر كالمعاينة ) رواه ابن عباس.

فأما الاعتبار بحال المحتضرين، فغير ممكن في كل الأوقات، وقد لا يتفق لمن أراد علاج قلبه في ساعة من الساعات.

وأما زيارة القبور فوجودها أسرع، والانتفاع بها أليق وأجدر.

فينبغي لمن عزم على الزيارة، أن يتأدب بآدابها، ويحضر قلبه في إتيانها، ولا يكون حظه منها التطواف على الأحداث فقط، فإن هذه حاله تشاركه فيها بهيمة.. ونعوذ بالله من ذلك…

بل يقصد بزيارته وجه الله تعالى، وإصلاح فساد قلبه، أو نفع الميت بما يتلو عنده من القرآن والدعاء، ويتجنب المشي على المقابر، والجلوس عليها ويسلم إذا دخل المقابر وإذا وصل إلى قبر ميته الذي يعرفه سلم عليه أيضا، وأتاه من تلقاء وجهه، لأنه في زيارته كمخاطبته حيا، ولو خاطبه حيا لكان الأدب استقباله بوجهه؛ فكذلك ها هنا.

ثم يعتبر بمن صار تحت التراب، وانقطع عن الأهل والأحباب، بعد أن قاد الجيوش والعساكر، ونافس الأصحاب والعشائر، وجمع الأموال والذخائر؛ فجاءه الموت في وقت لم يحتسبه، وهول لم يرتقبه.

فليتأمل الزائر حال من مضى من إخوانه، ودرج من أقرانه الذين بلغوا المال، وجمعوا الأموال؛ كيف انقطعت آمالهم، ولم تغن عنهم أموالهم، ومحا التراب محاسن وجوههم، وافترقت في القبور أجزاؤهم، وترمل من بعدهم نساؤهم، وشمل ذل اليتم أولادهم، واقتسم غيرهم طريفهم وتلادهم.

وليتذكر ترددهم في المآرب، وحرصهم على نيل المطالب، وانخداعهم لمواتاة الأسباب، وركونهم إلى الصحة والشباب.

وليعلم أن ميله إلى اللهو واللعب كميلهم، وغفلته عما بين يديه من الموت الفظيع، والهلاك السريع، كغفلتهم.

وأنه لا بد صائر إلى مصيرهم، وليحضر بقلبه ذكر من كان مترددا في أغراضه، وكيف تهدمت رجلاه.. وكان يتلذذ بالنظر إلى ما خوله وقد سالت عيناه، ويصول ببلاغة نطقه وقد أكل الدود لسانه، ويضحك لمواتاة دهره وقد أبلى التراب أسنانه.

وليتحقق أن حاله كحاله، ومآل كمآله.. وعند هذا التذكر والاعتبار تزول عنه جميع الأغيار الدنيوية، ويقبل على الأعمال الأخروية، فيزهد في دنياه، ويقبل على طاعة مولاه، ويلين قلبه، وتخشع جوارحه.

 اقرأ أيضا – نسائم الجمعة.. مالفرق بين علم وعين وحق اليقين في رؤية جهنم يوم القيامة (1)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى