الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: يا قاطع الشجرة
كنا زمان نقول: «يا طالع الشجرة هات لي معاك بقرة»… وكانت الشجرة في وجدان المصريين جزءًا من الحياة اليومية: ظلًّا في عز الحر، وثمارًا، ومأوى للطيور، ومشهدًا جماليًا يخفف قسوة المدن.
أما اليوم، ففي بعض شوارعنا أصبح المشهد مختلفًا: «يا قاطع الشجرة».
وهنا لا أتحدث عن شجرة ميتة أو مريضة أو عن إزالة اضطرارية تفرضها ضرورة هندسية أو مصلحة عامة حقيقية، وإنما أتحدث عن القطع العشوائي وغير المبرر للأشجار السليمة، وكأن الشجرة مجرد عائق يمكن التخلص منه متى تعارض مع تصميم رصيف أو طريق أو مشروع.
وهذه ليست قضية تجميلية كما قد يظن البعض؛ إنها قضية بيئة وصحة عامة ومسؤولية قانونية ودينية وأخلاقية.
الشجرة ليست «خشبًا» فقط
في دولة حارة مثل مصر، الشجرة ليست رفاهية.
هي جزء من البنية التحتية البيئية للمدينة.
الدراسات المناخية الخاصة بالقاهرة تؤكد أن نقص الغطاء النباتي واتساع الأسطح الخرسانية والأسفلتية يرتبطان بظاهرة الجزيرة الحرارية الحضرية؛ وقد أظهرت نماذج بحثية أن زيادة الغطاء الشجري في بعض المناطق عالية الكثافة بالقاهرة يمكن أن تخفض درجة حرارة الهواء وتحسن الراحة الحرارية، فضلًا عن تقليل استهلاك الطاقة اللازمة للتبريد في ظروف معينة.
وهنا يجب أن نتوقف.
عندما نقطع شجرة كبيرة، فنحن لا نفقد منظرًا أخضر فقط؛ نحن نفقد ظلًا كان يحمي الإنسان والأسفلت والمباني من الإشعاع الشمسي، ونفقد جزءًا من قدرة المكان على تحسين مناخه المحلي.
وفي بلد تصل فيه درجات الحرارة إلى مستويات قاسية خلال الصيف، فإن كل متر من الظل يصبح ذا قيمة.
الشجرة تحارب الحرارة بصمت
الظل ليس مجرد منظر جميل.
الأشجار تقلل تعرض الإنسان والأسطح للإشعاع الشمسي المباشر، كما يمكن للتبخر والنتح النباتي أن يساهما في تبريد البيئة المحيطة.
ولهذا فإن التخطيط الحضري الحديث لا ينظر إلى الأشجار باعتبارها «زينة»، وإنما باعتبارها أحد عناصر التكيف الحضري مع الحرارة وتغير المناخ.
وقد خلصت دراسات أجريت على القاهرة إلى أن التشجير يمكن أن يكون أداة مهمة لتخفيف تأثير الجزيرة الحرارية الحضرية وتحسين الراحة الحرارية، مع اختلاف النتائج بحسب كثافة العمران وتوزيع الأشجار واتجاهات الشوارع.
وهذا التفصيل مهم؛ لأن الدفاع عن الأشجار لا يعني الدعوة إلى زراعة الأشجار بطريقة عشوائية.
نحن نحتاج إلى تشجير علمي، لا تشجيرًا عشوائيًا.
لكن الفرق كبير بين أن نخطط للشجرة، وبين أن نلغيها.
وهل القانون المصري يترك قطع الأشجار بلا عقاب؟
الإجابة: لا، ولكن يجب أن نكون دقيقين في عرض النصوص.
فقانون البيئة المصري رقم 4 لسنة 1994، وتعديلاته، يتضمن في المادة 28 حظرًا على قطع أو إتلاف النباتات أو القيام بأعمال تؤدي إلى تدمير موائلها الطبيعية، مع ترك تحديد أنواع النباتات التي تنطبق عليها الأحكام للائحة التنفيذية. والقانون منشور رسميًا على موقع جهاز شؤون البيئة، الذي يعرض أيضًا التعديلات اللاحقة واللائحة التنفيذية.
وهذا يعني أن العبارة الشائعة «أي شخص يقطع أي شجرة في مصر يُعاقب تلقائيًا بالعقوبة الفلانية» تحتاج إلى قدر من التحفظ؛ لأن التطبيق القانوني يتوقف على نوع الشجرة ومكانها والجهة صاحبة الولاية والظروف والتراخيص والنص القانوني المنطبق.
وهناك أيضًا قانون الموارد المائية والري رقم 147 لسنة 2021، الذي ينص في مادته الثامنة على أنه لا يجوز قطع أو قلع الأشجار والنخيل المزروعة في الأملاك العامة ذات الصلة بالموارد المائية والري إلا بترخيص من الإدارة العامة المختصة.
أي أن مكان الشجرة وطبيعة ملكيتها والجهة المختصة بها عوامل قانونية لا يجوز تجاهلها.
وهذا يقودنا إلى سؤال أهم:
من الذي أصدر قرار القطع؟ وهل كان لديه سند قانوني؟ وهل كانت هناك ضرورة حقيقية؟ وهل جرى استنفاد البدائل؟
العقوبة ليست هي القضية الوحيدة
حتى عندما يكون الفعل مخالفًا للقانون، فإن القضية لا تنتهي عند العقوبة الجنائية أو الإدارية.
هناك أيضًا المسؤولية المدنية عن الضرر.
المادة 163 من القانون المدني المصري تقرر قاعدة واضحة:
«كل خطأ سبب ضررًا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض.»
والمسؤولية المدنية تقوم، في أصلها، على ثلاثة عناصر: الخطأ، والضرر، وعلاقة السببية بينهما.
وهنا تفتح المسألة بابًا مهمًا للنقاش:
إذا أدى قطع أشجار بطريقة غير مشروعة إلى إتلاف ممتلكات، أو إلى ضرر مادي محدد، أو ترتب عليه ضرر يمكن إثباته قانونًا، فإن المسؤولية المدنية قد تكون محل بحث أمام القضاء وفقًا لظروف كل واقعة وأدلتها.
بل إن ثبوت المسؤولية المدنية لا يتوقف بالضرورة على كون الفعل جريمة جنائية؛ فقضاء النقض قرر أن نطاق المادة 163 أوسع من مجرد الأفعال التي تشكل جرائم جنائية.
إذن نحن أمام ثلاث دوائر متداخلة:
قانونية… ومدنية… وبيئية.
والشريعة قالت كلمتها قبل القوانين الحديثة
ولأن مصر دولة ذات مرجعية ثقافية ودينية عميقة، فمن المهم أن نتذكر أن حماية الشجر ليست فكرة مستوردة من مؤتمرات المناخ.
الإسلام وضع مفهومًا واضحًا للاستخلاف وعمارة الأرض، ونهى عن الإفساد فيها.
قال تعالى:
﴿وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا﴾.
كما رسخ النبي ﷺ قاعدة عظيمة:
«لا ضرر ولا ضرار».
ودار الإفتاء المصرية تؤكد أن الإسلام نهى عن قطع الأشجار لغير ضرورة، وأن الحفاظ على الهواء والبيئة جزء من حماية الحياة، واستشهدت بحديث النبي ﷺ:
«ما من مسلم يغرس غرسًا، أو يزرع زرعًا، فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة، إلا كان له به صدقة».
كما تناولت دار الإفتاء مسألة قطع الأشجار لتوسعة الطرق، وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية: الشريعة لا تجعل الشجرة مقدسة بحيث يستحيل إزالتها في كل الظروف، وإنما توازن بين الضرر والمصلحة العامة.
فإذا اقتضت مصلحة عامة حقيقية توسعة طريق أو إنشاء مستشفى أو تنفيذ مشروع ضروري، فقد تكون إزالة بعض الأشجار جائزة بضوابطها، لكن الأصل ألا تتحول «المصلحة العامة» إلى ذريعة سهلة لإزالة الأشجار دون دراسة أو تعويض بيئي.
وهذه هي النقطة التي أراها جوهرية:
لسنا ضد التطوير… نحن ضد أن يكون التطوير على حساب الحياة.
يا قاطع الشجرة… ماذا ستترك لنا؟
السؤال ليس عاطفيًا فقط.
عندما تقطع شجرة عمرها عشرون أو ثلاثون عامًا، ثم تزرع شتلة صغيرة مكانها، فأنت لم تستبدل شجرة بشجرة في المعنى البيئي.
لقد فقدت سنوات من النمو والظل والكتلة النباتية والخدمات البيئية.
ولهذا فإن التعويض الحقيقي عن الأشجار الكبيرة لا ينبغي أن يكون مجرد:
«سنزرع شجرة أخرى».
بل يجب أن يكون:
أين؟ ومتى؟ وما نوعها؟ وما حجمها؟ ومن سيتولى رعايتها؟ وكم شجرة ستُزرع مقابل ما تمت إزالته؟ وهل ستعيش فعلًا أم ستتحول الشتلات إلى صور في تقارير الإنجاز؟
نحن بحاجة إلى سياسة واضحة للأشجار في المدن:
حصر الأشجار المعمرة وتسجيلها.
منع قطع الأشجار السليمة إلا لضرورة موثقة.
إلزام الجهات المنفذة بدراسة البدائل قبل الإزالة.
إعادة زراعة ما تتم إزالته وفق معايير علمية.
محاسبة من يقطع شجرة دون سند قانوني.
تحديد مسؤولية الجهة التي تتولى رعاية الأشجار.
وإتاحة وسيلة واضحة للمواطن للإبلاغ عن القطع غير المشروع.
لا تجعلوا الأسفلت ينتصر على الشجرة
نحن نبني طرقًا وكباري ومدنًا جديدة، وهذا جزء طبيعي من التنمية.
لكن التنمية الحقيقية ليست أن نختار دائمًا بين الطريق والشجرة.
التخطيط الجيد يبحث عن حل يسمح للطريق أن يمر، وللشجرة أن تبقى كلما كان ذلك ممكنًا.
فالعمران الذي لا يترك مكانًا للإنسان ليمشي في الظل، ويستنشق هواءً أفضل، ويجلس تحت شجرة، ليس عمرانًا كاملًا.
وفي بلد حار مثل مصر، لا ينبغي أن نتعامل مع التشجير باعتباره بندًا تجميليًا يمكن الاستغناء عنه عند أول تعديل في الرصيف أو الطريق.
الظل خدمة عامة.
والشجرة ثروة عامة.
والهواء النظيف حق عام.
وأخيرًا…
كنا زمان نقول:
«يا طالع الشجرة
هات لي معاك بقرة»
وكانت الشجرة جزءًا من الحياة.
أما اليوم فأخشى أن يأتي جيل من أبنائنا يسأل:
«هو فين الشجر اللي كان في الشوارع؟»
فنقول له:
«كان هنا…
لكننا قطعناه.»
يا قاطع الشجرة…
قبل أن تدير المنشار، لا تنظر إلى جذع أمامك فقط.
انظر إلى طفل سيبحث غدًا عن ظل.
انظر إلى مدينة تزداد حرارة.
انظر إلى هواء نحتاج أن نتنفسه.
وانظر إلى أمانة الأرض التي سنتركها لمن بعدنا.
فالشجرة التي تقطعها اليوم لا تسقط وحدها…
يسقط معها جزء من ظل المدينة، وجزء من ذاكرتها، وجزء من قدرتها على مواجهة الحر.
كاتب المقال : خالد سالم – إعلامي .. نائب الامين العام لاتحاد الإعلاميين الأفريقي الأسيوي
اقرأ أيضا – الإعلامي خالد سالم يكتب لـ «30 يوم»: أين اللجنة التأسيسية من حكم الإعدام؟


