كُتّاب وآراء

الإعلامي حمدي رزق يكتب.. وما أخجل منه أن أكون مملا!!

على عادة أسلافه من كُتّاب الزمن الجميل، كان طيب الذكر الكاتب الكبير «صلاح منتصر» يستأذن قراءه الأعزاء فى إجازة صيفية، ليشحن بطارياته الفكرية، ويجدد أفكاره، ويريح عقله، ويروح عن فؤاده، ويستعيد شغفه بالكتابة.

العم صلاح كان يخشى الملل مخافة أن يتسلل إلى روحه المفعمة بالشغف، وفى كتاب زوجته الوفية السيدة «منى الطويل»، «سنوات مع صلاح منتصر» الصادر حديثا عن «دار الشروق»، حكى ممتع عن ولع طيب الذكر بالإجازات التى تتخللها رحلات، كان الله يرحمه يستأذن قراءه أو يكتب قبل إجازته أنه سيغيب عنهم لعدة أيام ، وقد يترك لهم بعض المقالات تعوضهم إذا طال الغياب. سألت العم صلاح ، وكان فى منزلة (المعلم لجيلى ولأجيال سبقت)، عن أدبه مع القارئ، لدرجة استئذانه قبل الإجازة، فابتسم وقال: القارئ يتجشم العناء فى قراءة ما نكتب، ويجتهد فى تحصيل الأفكار الكامنة بين السطور، أشعر بوجوده رابضًا فى غرفة مكتبى، يراجع عليّ أفكارى، ويعد عليّ مواقفى، ويلومنى، ويعاتبنى، ويتفق ويختلف، والرضا يُرضى، وإرضاء القارئ صعب، ودومًا هو على حق، والكاتب عليه واجب تجاه قرائه، بعض من التقدير، ومن الأدب مع القارئ أن أستأذن منه فى إجازة، وهذا أضعف الإيمان.. ونصيحته أبوية: «لا تكن مملا، فيملك القراء» .

طيب الذكر كان ينصحنى بالإجازات والرحلات، متسقا مع نصيحة طبية نفسانية تقول، يمكنك التخلص من الملل عن طريق كسر الروتين اليومى وتغيير نشاطك الجسدى أو الفكرى .

الله يرحمه العم صلاح، كان يخشى عليّ شخصيًا من الملل الذى يستشعره (الكاتب الكتوبة)، والوصف من مأثورات الكاتب الناصرى طيب الذكر «عبد العظيم مناف» وكان الأخير شغوفا مفتونا بالكتابة الحلوة والعم صلاح كان يخشى أن يتسرب الملل بين السطور إلى القارئ، فينصرف عنه، ويشيح بوجهه عن سطوره، ويعطيه ظهره متجاهلا، وإذا فقد الكاتب قارئًا فى الطريق لن يستعيد ثقته بسهولة، العلاقة القلبية بين الكاتب والقارئ على شرط، معلقة على حرف، وبين الكاتب والقارئ حوار مستدام، لا يقطعه سوى الملل، ولطالما الكاتب يملك مخزونًا كافيًا من احتياطى الشغف، يشفع له عند القراء الشغوفين بالقراءة فى حالات الملل المبرح . الكتابة كما علمنا أرباب القلم فى محكم أدبياتهم، مهمة شاقة ومسئولية جسيمة، أبدا ليست تسويد مساحات محجوزة سلفًا بالحبر الأسود، ولكنها متعة عقلية، والمتعة تسكن الحرف، فيتراقص طربًا فى جملة موسيقية تصدح فى الروح، والكاتب المستمتع بحرفه يمتع القراء، والكاتب الملول ممل بطبعه، والملل ما أخشاه، وأتحسب منه ، وأستعيذ والعياذ بالله من الملل. الكاتب الملتزم دوما مدين لقرائه بالفضل، تراه لا يخلف موعده مع صديقه القارئ . طيب الذكر الأستاذ «مصطفى أمين»، أبانا الذى علمنا سحر البيان، يقول: «الإنسان الناجح يذهب لعمله وكأنه يذهب إلى موعد غرامي»، تخيل موعدًا غراميًا متجددًا مع القارئ، وكان الأستاذ «صلاح منتصر» يرتدى بدلته الكاملة قبل أن يدلف إلى صومعته فى بيته ، ويتألق قبل أن يخط حرفا ، الكتابة بالبدلة الكاملة من لزوميات الاحترام ، فرط احترام يترجم شغفا باللقاء المتجدد. كتابة بلا شغف، كتابة بلا روح، أخشى الملل يتسرب إلى روحى المفعمة بالشغف، هل يموت الشغف وتخبو جذوته، والإجابة من علم النفس الإنسانى، الشغف لا يموت نهائيا، بل يمر بمراحل من الضعف، والفتور، معلوم للقلوب أوقات إقبال وإدبار، وهذا شعور إنسانى طبيعى وليس نهاية المطاف.

لا أخفيكم أن حر هذا الصيف ورطوبته الخانقة يخلف مللًا، والملل آفة، إذا علقت بنفس الكاتب فقد شغفه، معلوم سطور الملل سقيمة، والمعلم «جبران خليل جبران» كان يخشى الملل، ويقول: «فى الملل شيء من النعاس الروحي»، وعلاجه، الاستيقاظ الروحى، بعض من الامتنان والشكر والحمد يستنقذ روحك من نعاسها، إرهاف السمع لألحان الطبيعة، زقزقة العصافير، خرير الماء، كلها طرق مجربة لكسر الملل، واستيقاظ الروح باستعادة مخزون الشغف، الروح تتغذى على الأفكار والأذكار، تنتعش من خمول، وترنو فى حبور لشروق الشمس تمنحك أملا، يترجم شغفا. الكاتب الإيرلندى الساخر العظيم «أوسكار وايلد» له مقولة أقرب لحكمة : «الملل هو الخطيئة الوحيدة التى لا يمكن أن تُغتفر»، وعليه ليغفر القارئ الجميل ما يعترينى من بعض الملل فى الصيف، وعذرنا أننا كائنات شتوية تبغى البيات الصيفى من فرط الخمول الذهنى، وأتبع عادة نصيحة صاحب السمو الملكى (قديمًا) اللورد هيلشام، وكان قد اعتراه بعض الملل: «لا يجب أن تخجل من الشعور بالملل. ما يجب أن تخجل منه هو أن تكون مملًا»، وللعظيم «يوسف إدريس» وكان فيما ذاع عنه ملولا ، مضروبا بالملل يقض مضجعه : «أبشع أنواع الملل، الملل من شيء لا تستطيع الاستغناء عنه، كأن تمل من نفسك».

وما أخجل منه أن أكون مملًا، وأستعيذ بالله من الملل النفسى ، وفى كل مرة أعتقد أننى ممل ، أو اجتاحنى مس من ملل ، تنفتح آفاق جديدة من الشغف ، لتقفى الشغف حذر الملل ، والشيء الوحيد الأسوأ من الشعور بالملل هو الشعور بأنك ممل، ولو كان الملل رجلا لقتلته.. وجميعها اقتباسات بتصرف من حكماء جميعا كانوا يخشون الملل.

 اقرأ ايضا– الإعلامي حمدي رزق يكتب: حرمًا يا حاج

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى