كُتّاب وآراء

د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: من يحمي وعي المواطن؟

في زمنٍ أصبحت فيه المعلومة تصل إلى الإنسان قبل أن يغادر فراشه، لم يعد السؤال: ماذا نعرف؟ بل أصبح: كيف نعرف؟ ومن أين نعرف؟

لقد دخل العالم عصرًا جديدًا لم تعد فيه المعارك تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمة والصورة والمعلومة. وأصبح التأثير في العقول أحيانًا أكثر خطورة من التأثير في الحدود، لأن القرار الذي يتخذه الإنسان يبدأ أولًا من الفكرة التي استقرت في ذهنه.

ومن هنا يبرز سؤال بالغ الأهمية:

من يحمي وعي المواطن؟

هل تحميه الأسرة؟

أم المدرسة؟

أم الجامعة؟

أم الإعلام؟

أم المؤسسات الثقافية والدينية؟

الحقيقة أن حماية الوعي ليست مسؤولية جهة واحدة، بل مسؤولية مجتمع بأكمله.

فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الإنسان كيف يفكر قبل أن يتعلم ماذا يفكر. والمدرسة ليست مكانًا لتلقين المعلومات فقط، بل فضاء لتعليم التفكير والتحليل والمناقشة. أما الإعلام فدوره لم يعد يقتصر على نقل الخبر، بل أصبح شريكًا في تشكيل الإدراك العام وصناعة الاتجاهات المجتمعية. وتؤكد العديد من الدراسات والمؤسسات المعنية بالإعلام أن تنامي الفضاء الرقمي وسرعة تدفق المعلومات جعلا الوعي الإعلامي والرقمي ضرورة أساسية لحماية المجتمعات من التضليل والشائعات.

لكن التحدي الأكبر اليوم يتمثل في أن المواطن يعيش وسط سيلٍ لا ينقطع من المعلومات.

وفي كثير من الأحيان تختلط الحقائق بالشائعات، والمعلومات بالانطباعات، حتى يصبح التمييز بينها مهمة صعبة. وتشير تقارير دولية إلى أن المعلومات المضللة لا تستهدف فقط نشر أخبار خاطئة، بل قد تؤدي إلى إضعاف الثقة في المؤسسات وإرباك عملية اتخاذ القرار لدى الأفراد والمجتمعات.

ولذلك فإن حماية وعي المواطن لا تعني فرض رأي واحد أو مصادرة الأفكار المختلفة، وإنما تعني تمكينه من أدوات الفهم والتحليل والتمييز. فالمواطن الواعي ليس من يصدق كل ما يسمع، ولا من يرفض كل ما يسمع، وإنما من يبحث ويتحقق ويفكر قبل أن يصدر حكمًا أو يتخذ موقفًا.

ومن هنا تبرز أهمية إتاحة المعلومات الدقيقة في الوقت المناسب، ودعم الإعلام المهني، وتعزيز الثقافة الرقمية، وتشجيع التفكير النقدي، لأن الفراغ المعلوماتي غالبًا ما يكون البيئة المثالية لانتشار الشائعات. وتؤكد منظمات دولية وخبراء الإعلام أن نشر المعلومات الموثوقة وتعزيز مهارات التحقق والتفكير النقدي من أهم وسائل مواجهة مايعرف بحروب المعلومات

ومع ذلك، يبقى هناك حارس لا غنى عنه مهما تعددت المؤسسات والوسائل.

إنه وعي المواطن نفسه.

فلا أسرة تستطيع مرافقة أبنائها في كل ما يشاهدون، ولا مدرسة تستطيع مراقبة كل ما يُنشر، ولا إعلام قادر على الرد على كل شائعة في اللحظة نفسها.

لذلك يصبح الفرد الواعي هو خط الدفاع الأول عن نفسه وعن مجتمعه. وتشير دراسات حديثة إلى أن ارتفاع مستوى الوعي الرقمي والإعلامي لدى المواطنين يقلل من تأثير الشائعات والمحتوى المضلل ويعزز قدرة المجتمع على مواجهة ما يُعرف بحروب المعلومات

إن بناء الطرق والمصانع والمدن الحديثة ضرورة للتنمية، لكن بناء الإنسان الواعي يظل الضمانة الحقيقية للحفاظ على كل إنجاز. فالأوطان لا تُبنى بالحجارة وحدها، وإنما تُبنى بالعقول التي تدرك قيمة ما تملك، وتعرف كيف تحميه وتطوره.

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأدق ليس: من يحمي وعي المواطن؟

بل:

كيف نصنع مواطنًا قادرًا على حماية وعيه بنفسه؟

فحين يمتلك الإنسان المعرفة والقدرة على التفكير والتمييز، يصبح أقل عرضة للخداع، وأكثر قدرة على المشاركة الإيجابية في بناء مجتمعه وصناعة مستقبله…

كاتبة المقال- المحامية بالنقض ونائب رئيس مجلس ادارة مؤسسة ميريت للدراسات الاستراتيجية

 اقرأ أيضا  د.جيهان فؤاد تكتب لـ «30 يوم»: مواقع التواصل الاجتماعي وصناعة الرأي العام

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى