الإعلامي العراقي حسين الذكر يكتب لـ «30 يوم»: روما في التاريخ.. لا رحمة للعبيد عند الكاهن الأعظم !
حكمة تاريخية :
ربما تمر حكمة ( كل الطرق تؤدي إلى روما ) مرور الكرام بناء على قاعدة الأمثال تضرب ولا تقاس .. مع أنها منذ ذلك الحين الممتد لآلاف السنين ما زالت حاكمة تسير بخطى ثابتة لا تعرف التغيير وإن تبدلت الأساليب والمسميات إلا أن العقل الجوهري ما زال مهيمن بشكل تام .
في الكتاب :
وقع في يدي كتاب ( تأملات في تاريخ روما السياسي ) لكاتبه د . محمد محمود – دار نشر دلمون الجديدة في سوريا – دمشق – طبعة اولى 2022 ،فالتهمت حروفه المعمقة بنصوص تاريخية يغلب عليها طابع المقارنة مع الواقع المعاش وقد وجدت فيه ثروة عقلية ينبغي تتبعها سيما بالنسبة لعاملين بحقل التحليل السياسي .
أساليب قديمة :
في شمال أفريقيا اغتصب زعيم النومندي يوغراتا الحكم – رغم أنف روما – واشترى أعضاء من مجلس الشيوخ الروماني بالرشوة ودعم مركزه السياسي فتزوج من ابنة بوكوس ملك مراكش سابقا اضطرت بسببها روما إعلان الحرب عليه 111 قبل الميلاد لتأديبه بجيش كبير لكنه انهزم جراء تفشي الفساد ورشوة القادة .
ثورة العبيد :
ظلت مشكلة العبيد قائمة حتى اليوم لم تستطع الشرائع والفلسفات القضاء عليها فكرا وسلوكا لكل من يحكم باسم القوة المشرعنة منها.. عام 71 ق . م لم تكن أوضاع روما على ما يرام بعد ان اندلعت ثوره العبيد بقيادة سبارتاكوس وبدات بمطالب التحرر من جور الرومان واستغلالهم بالاعمال الشاقة والتدريبات القاسية لتسليه الجماهير بحلبات المصارعة بموت شبه حتمي للمهزوم .
حمل الثوار السلاح وتحصنوا في المنحدرات والجبال وانضم لهم الكثير بما يقارب 70,000 ألف ثائر حققوا انتصارات لثلاث سنوات قبل أن تحشد لهم روما كل القوى الخاصة بأنهاء التمرد كما سموه فتقدم جيش عرمرم بمناطق تحصنهم حمل شعار واحد رفع بكل مكان مفاده ( لا رحمة للعبيد ومن وآلاهم ) .. وتم ذبح الثوار وأسرهم عن بكرة ابيهم وعلقت جثثهم على مشانق تمتد لآلاف الأميال على طول خطوط الطرق الموصلة لروما ليكونوا عبرة أبدية لمن يتجرأ مطالبا بحقوق خارج ما منصوص عليه في الدستور الروماني .
أسطورة قيصر :
يوليوس قيصر من الزعماء الشعبيين ولم يكن من الأثرياء بل غارقًا في ديونه وكان مثقفًا بالثقافة اليونانية واضطر للهرب خارج روما بينما كان رجال سولا يمشطون ايطاليا بحثا عنه فألقي القبض عليه متخفيًا ولم يفلت إلا بعد دفع رشوه كبيرة مع تدخل بعض النبلاء للعفو عنه .
في موكب النصر الذي أقامه قيصر احتفاءً بفتوحاته في بلاد الغال كان يركب العربة في قمة زينته ومن خلفه جنوده يتغنون ببذائة كما جرت العادة .. بعد كل انتصار وبسط نفوذه سعى لتعزيز سطوته وتوسيع صلاحياته بكل ما يقع امام عينيه حتى تجرأ واشترى منصب الكاهن الاعظم بالرشوة والضغط والمحاباة ليكون مسيطرا على خزينة الدولة التي كانت من اختصاص الكاهن وكذا ليمنح حق اقتراح القوانين التي سعى لاضفاء عليها طابع القداسة من خلال ( الكاهنوية ) .. حتى هاجمه خطيب روما الشهير شيشرون قائلا : ( إن كل المجرمين والشبان الفاسدين ودهماء المدينة والعوام والمفلسين وقفوا جميعا الى جانب قيصر) حتى ساد عهد دكتاتورية مطلقة استخدمت فيها الأساليب الوحشية التي اضطرت سياسيي روما والقادة العسكرين الفرار إلى الشرق والانضمام الى قتلة قيصر برئاسة بروتس وكاسيوس.
في الفساد السياسي :
لقد أضحى للنساء يد طولى في إدارة شؤون الدولة وترفيع من يعشقن لمناصب العليا ويقتلن ويهمشن من لا يرغبن به بعد أن صار على الزوجة الرومانية أن تتحمل وجود دائم للأم الخليلة في عقر دارها تزامن مع تزايد أعداد النساء السبايا اللواتي جلبهن الرومان من حروبهم التوسعية حتى غدت الخيانة الزوجية سمة أساسية لمجتمع الصفوة السياسية الحاكمة ما أدى لانتشار فضائح الطبقة الارستقراطية كما حدث للقنصل ماركس ليبودوز 78 ق م الذي فشل باعادة ترشيحه أثر أخبار خيانة زوجته حتى مات في سردينيا .
مع أن التسري والفساد الأخلاقي والخيانة الزوجية منتشرة في المجتمعات القديمة والحديثة إلا أنها تتحول إلى كارثة وطنية حينما تتغلغل في الطبقة الحاكمة والنخب السياسية ويروي التاريخ بهذا الصدد أن الشاب كلوديوس وقع في هوى زوجة قيصر ودخل سرا منزلها بزي فتاة عازفة وكانت النساء يؤدن طقوس القرابين التي لا يسمح للرجال حضورها لكنه استغل عدم نبات شاربه فدخل منزل الكاهن الأعظم وانتشر الخبر واهتزت روما وتضعضعت سمعت قيصر الذي كان يشغل المنصبين (الأمبراطور والكاهن الاعظم) .
الحرب والقتل شعار :
الحروب والعدوان هي السمة الأبرز لروما تحت ذريعة الدفاع حتى قيل ( ان الرومان احتلوا العالم دفاعا عن النفس) .. فساد القتل والاغتيال كأساليب معتادة تنسجم مع اخلاقيات سياسي روما اين ما حلوا . إذ قتل الشقيق رونولوس شقيقه ريموس حتى اصبحت سمة للسياسة الرومانية طبقوها مع الجميع طوال تاريخ مماليكهم في الشرق والغرب . حتى اله حربهم (مارس) كان سفاحا شاذا بدل ان يقوم بمهامه الميثيولوجية الرومانية هتك ستر فتاة كانت نائمة بضفة النهر .
ستار مقدس :
روما تعلن الحرب عبر جماعة ( الفيتاليس ) وهم مجموعة من الكهنة رجالات الطبقة الارستقراطية مهمتها الاشراف على العلاقات الخارجية واعلان الحرب والسلم .. اذ لا سلام في فلسفتهم إلا عبر الاستسلام لروما وإن لجأوا إلى جميع السبل . فروما تعد عندهم نظام سياسي واجتماعي مقدس بمباركة دينية تشرعن كل ما يقوم به العسكر لصالح روما بمعزل عن نوعية الاساليب المتخذة في الحرب . كانوا يقسمون ابنائهم الى طبقات من المحاربين مع تعبئة روحية وتربية عقائدية خاصة جدا يشرف عليها الكهنة ذاتهم .
تنشئة وعقيدة :
نشا شعب روما على عقيدة قدرهم في غزو العالم والتوسع بلا حدود مع ما تستبطنه المفردات من غطرسة واستكبار زادت وترسخت في نفوس الاغلبية من الشعب بعد تحقيق الانتصارات وجلب الغنائم والسبايا وقهر الشعوب ونهب خيراتها . حتى ظنوا انهم شعب الله الاعظم وبهم الفضيلة والتقوى وانموذجية الانسان السوبرمان .
مختمة :
ما كتبته ليس من عندياتي بل هو ما وجدته في الكتاب المشار اليه اعلاه مع الايجاز بالعرض .. قطعا ان هذا السياق التاريخي المثبت عبر احداث ومدونات ضمت الكثير من السرد الدامي للانسانية جمعاء لا يمكن ان يمثل باي وجه من الوجوه الشعوب الارية او الرومية اطلاقا .. بل هو نتاج عقلية وفلسفة ( ما زالت مجهولة ) اتخذت من الرومان وسيلة لتحقيق اغراضهم وأهدافهم لانهم الاقدر على الانسجام مع الاساليب المتخذة دون الخوض بالرحمة وسبل الشفقة المتفق عليها وجدانيا بين شعوب العالم وحضاراته كافة سابقا واليوم وستبقى .. لأن الإنسان مصدر خير بذاته فضلا عن ( ضوء العبقرية لا يعرف تفتقه بأي مكان وزمان كان ) كما جادت به فلسفة افلاطون .
اقرأ أيضا – الإعلامي العراقي حسين الذكر يكتب لـ «30 يوم»: قلم بائس.. في ديمقراطيات هشة !




