كتب-الأقدار نوعان
قدر محتوم سابق في علم الله لا يرده شيء، وقدر معلق على أسباب كالدعاء.
أثر الدعاء: يُعد الدعاء من الأسباب التي قضي بها القدر، فيرد الله به البلاء ظاهرياً لمن كتب له الشفاء أو النجاة بهذا السبب.
فقول يونس -عليه السلام-: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ {الأنبياء: 87}، ليست مجرد تسبيح فقط، بل هي تهليل، وتسبيح، وإقرار، يتضمن طلبا، وسؤالا.
ولذلك سماه النبي -صلى الله عليه وسلم- دعاءً، فقال: دعوة ذي النون، إذ دعا، وهو في بطن الحوت: لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لم يدع بها رجل مسلم في شيء قط، إلا استجاب الله له. رواه أحمد، والترمذي، وصححه الألباني.
ولذلك نص أهل العلم على أن التسبيح، والتهليل، ونحو ذلك من الأذكار يسمى دعاءً.
قال القرطبي في تفسيره: التسبيح، والحمد، والتهليل قد يسمى دعاء، روى مسلم، والبخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلّ الله عليه وسلم- كان يقول عند الكرب: (لا إله إلا الله العظيم الحليم.. لا إله إلا الله رب العرش العظيم.. لا إله إلا الله رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش الكريم).
قال الطبري: كان السلف يدعون بهذا الدعاء، ويسمونه دعاء الكرب…
وقال ابن عيينة وقد سئل عن هذا فقال: أما علمت أن الله تعالى يقول: (إذا شغل عبدي ثناؤه عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السائلين). وعن سعد بن أبي وقاص قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “دعوة ذي النون، إذ دعا بها في بطن الحوت لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، فإنه لن يدعو بها مسلم في شيء، إلا استجيب له.
حكم التسبيح والذكر:
والتسبيح والتحميد والتهليل يتضمن معنى الدعاء والطلب بطريق غير مباشر، كما في أدعية الكرب.. وقصة سيدنا يونس عليه السلام.
ولا يوجد نص خاص يثبت أن لفظ “التسبيح” بمجرده يرد القدر استقلالاً، بل العبرة باللجوء إلى الله بالدعاء والذكر المتضمن لسؤال الله دفع البلاء
والتسبيح يرد القدر كما في قصة يونس عليه السلام قال تعالى ” فلولا أنه كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون ”
وكان يقول في تسبيحه “لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين ” .
والتسبيح هو الذكر الذي كانت تردده الجبال والطير مع داود عليه السلام قال تعالى ” وسخرنا مع داود الجبال يسبحن والطير ” .
التسبيح هو ذكر جميع المخلوقات .. قال تعالى ” ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض ” .
ولما خرج زكريا عليه السلام من محرابه أمر قومه بالتسبيح قال ” فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا ”
ودعا موسى عليه السلام ربه بأن يجعل أخاه هارون وزيرا له يعينه على التسبيح والذكر قال ” واجعل لي وزيرا من أهلي هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرا ونذكرك كثيرا ” .
ووجدت أن التسبيح ذكر أهل الجنة قال تعالى ” دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام ” .والتسبيح هو ذكر الملائكة قال تعالى ” والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في اﻷرض” .
حقا التسبيح شأنه عظيم وأثره بالغ لدرجة أن الله غير به القدر كما حدث ليونس عليه السلام .
اللهم اجعلنا ممن يسبحك كثيرا ويذكرك كثيرا.
فسبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلماته.
( التسبيح والرضا النفسي )
الظاهرتان ” التسبيح والرضا النفسي ” لم تكونا مرتبطتين في ذهني بصورة واضحة، ومرّت بي آية من كتاب الله كأنها كشفت لي سرّ هذا المعنى، وكيف يكون التسبيح في سائر اليوم سببًا من أسباب الرضا النفسي،
يقول الحق تبارك وتعالى: “وسبح بحمد ربك قبل طلوع الشمسِ وقبل غروبها ومن آنائ الليل فسبّح وأطراف النهار لعلّك ترضى”
لاحظ كيف استوعب التسبيح سائر اليوم ..
قبل الشروق وقبل الغروب وآناء الليل وأول النهار وآخره
ماذا بقي من اليوم لم تشمله هذه الآية بالحثّ على التسبيح !
والرضا في هذه الآية عام في الدنيا والآخرة .
وقال تعالى، في خاتمة سورة الحجر: “ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون .. فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين”
فانظر كيف أرشدت هذه الآية العظيمة إلى الدواء الذي يُستشفى به من ضيق الصدر والترياق الذي تستطبّ به النفوس .
سبحانك اللهم وبحمدك .. كم فاتتنا الكثير من لحظات العمر عبثًا دون استثمارها بالتسبيح…
اقرأ أيضا – نسائم الجمعة .. الخبيئة وفضلها




