لواء أحمد زغلول مهران يكتب: طبيعة التحديات.. ماذا تكشف حادثة دمياط؟
فى كل مرحلة من مراحل التاريخ كانت أدوات الصراع تتغير، بينما ظل الهدف ثابتاً.. التأثير فى إرادة الدولة وإعادة تشكيل قراراتها. فمنذ أن عرف الإنسان الحروب، لم يكن الانتصار دائماً مرهوناً باحتلال الأرض أو إسقاط المدن، بل كثيراً ما تحقق بإضعاف الاقتصاد وقطع خطوط الإمداد وإفقاد المجتمع ثقته فى قدرته على الاستمرار. واليوم، وبعد أن تجاوز العالم أنماط المواجهة التقليدية، لم تعد القوة تُقاس بعدد الدبابات أو الطائرات فقط أو الأفراد، بل أصبحت تُقاس أيضاً بقدرة الدولة على حماية بنيتها التحتية الحيوية وتأمين موانئها وصيانة شبكاتها اللوجستية والحفاظ على تدفق التجارة والطاقة دون انقطاع. ولهذا لم يعد الميناء مجرد منشأة بحرية، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن القومى، بل أحد أعمدتها الرئيسية. ومن هذا المنظور، فإن ما شهده ميناء دمياط يستحق قراءة تتجاوز حدود الخبر، لأن الأخبار تنتهى بانتهاء النشر، أما التحولات الاستراتيجية فتبقى آثارها لسنوات. فالحدث، أياً كانت نتائجه النهائية، يطرح سؤالًا بالغ الأهمية
هل دخلت المنطقة مرحلة جديدة أصبحت فيها البنية التحتية الاقتصادية هدفاً مباشراً فى معادلات الردع والضغط؟
هذا السؤال هو جوهر القضية، وليس تفاصيل الواقعة وحدها. لقد أعلنت الدولة المصرية رسمياً أن الحريق الذى أصاب السفينتين نتج عن طائرة مسيّرة، مع استمرار التحقيقات لتحديد الجهة التى تقف وراء العملية. وهنا يبرز الفارق بين الدولة التى تحكمها المؤسسات والدولة التى تحكمها الانفعالات. فإعلان وسيلة الاعتداء لا يعنى بالضرورة إعلان هوية المنفذ، والالتزام بهذا المبدأ ليس حذراً سياسياً فحسب، بل احتراماً للقانون وصوناً لمصداقية الدولة أمام مواطنيها وأمام المجتمع الدولى. غير أن التوقف عند حدود التحقيقات وحدها قد يحجب الصورة الأوسع، فالباحث فى قضايا الأمن القومى لا يكتفى بتحديد الوسيلة أو البحث عن الفاعل، وإنما ينظر إلى الحدث بوصفه جزءاً من سياق أكبر، يحاول من خلاله فهم طبيعة التحولات التى تشهدها البيئة الاستراتيجية من حولنا.
عندما تتغير خرائط الصراع:
لم يعد استهداف البنية التحتية الاقتصادية أمراً استثنائياً فى الصراعات الدولية، فقد أثبتت التجارب الحديثة أن تعطيل ميناء أو تهديد ناقلة أو التأثير فى حركة الملاحة قد يحقق من المكاسب السياسية والاقتصادية ما لا تحققه مواجهة عسكرية مباشرة. فالدول لا تتحرك بالسلاح وحده، بل تتحرك أيضاً بالاقتصاد والثقة والاستثمار وحركة الأسواق. ولذلك لم تعد الموانئ مجرد نقاط على الخريطة، وإنما أصبحت مراكز استراتيجية تتقاطع عندها مصالح الدول والشركات وأسواق الطاقة، وأى اضطراب يصيبها لا يُقاس بحجم الخسائر المادية وحدها، بل بما يتركه من أثر فى حسابات المستثمرين وشركات التأمين وسلاسل الإمداد وثقة الشركاء الدوليين. ومن هنا، فإن القراءة الصحيحة لما جرى فى دمياط لا تبدأ بالسؤال: من أطلق الطائرة المسيّرة؟ بل بالسؤال الأهم: لماذا أصبحت الموانئ هدفاً فى الحروب الحديثة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال ستقودنا إلى فهم التحول العميق الذى تشهده طبيعة الصراعات، حيث لم يعد الهدف هو احتلال الأرض، بل التأثير فى القرار وإرباك الاقتصاد ورفع تكلفة الاستقرار. ولعل هذا هو أخطر ما فى حروب القرن الحادى والعشرين، فهى لا تُعلن فى كثير من الأحيان ولا تنتهى بتوقيع اتفاقيات، وإنما تتحرك فى مناطق رمادية تختلط فيها الرسائل السياسية بالضغوط الاقتصادية، وتتداخل فيها الأدوات العسكرية مع الأدوات التكنولوجية والإعلامية، بحيث يصبح التحدى الحقيقى هو قدرة
الدولة على استيعاب الصدمة دون أن تفقد توازنها.
من دمياط إلى البحر الأسود.. لماذا أصبحت الموانئ هدفاً فى الحروب الحديثة؟
إذا كان القرن العشرون قد رسخ مفهوم أن السيطرة على الأرض هى عنوان القوة، فإن القرن الحادى والعشرين يقدم مفهوماً مختلفاً، فالدولة قد تحتفظ بكل شبر من أراضيها، لكنها تتعرض لخسائر استراتيجية إذا اضطربت موانئها أو تعطلت سلاسل إمدادها أو فقدت الأسواق ثقتها فى استقرار بيئتها التشغيلية.
ومن هنا، لم يعد أمن الموانئ قضية تخص هيئات النقل أو إدارات الموانئ وحدها، بل أصبح جزءاً أصيلاً من منظومة الأمن القومى. فالميناء الحديث لم يعد مجرد رصيف لاستقبال السفن، وإنما مركز تتقاطع عنده التجارة والطاقة والاستثمار والصناعة، وتُبنى عليه قرارات اقتصادية تتجاوز حدود الدولة إلى دوائر إقليمية ودولية. وليس هذا استنتاجاً نظرياً، بل تؤيده الخبرات الدولية، فقد كشفت الأزمات التى شهدها البحر الأسود والبحر الأحمر، وما تعرضت له بعض الموانئ ومنشآت الطاقة فى مناطق مختلفة من العالم، أن استهداف البنية التحتية البحرية أصبح أحد أدوات الضغط الاستراتيجى. ولم تكن الغاية فى كثير من تلك الوقائع تدمير منشأة بعينها بقدر ما كانت التأثير فى حركة التجارة ورفع تكلفة التأمين وإرباك حسابات المستثمرين وإيصال رسالة سياسية تتجاوز حدود الهدف المباشر. وفى هذا السياق، لم يعد السؤال: كم بلغت قيمة الخسائر؟ بل ما حجم الرسالة التى وصلت إلى الأسواق وشركات الملاحة ومؤسسات التأمين؟ فهذه الجهات لا تنظر إلى الواقعة بمعزل عن البيئة المحيطة، بل تقيّم قدرة الدولة على الاحتواء وسرعة استعادة النشاط واستمرار المرافق الحيوية فى أداء وظائفها دون اضطراب.
وهنا تبرز نقطة تستحق التأمل، فالدول التى تمكنت من تجاوز مثل هذه الاختبارات لم تكن تلك التى منعت وقوع كل تهديد، فهذا أمر لا تدعيه حتى القوى الكبرى، وإنما كانت الدول التى امتلكت منظومات متكاملة تجمع بين المعلومات الاستخباراتية والتكنولوجيا وإدارة الأزمات والاتصال المؤسسى واستمرارية التشغيل. فالقوة لا تُقاس بغياب التحديات، وإنما بقدرة الدولة على احتوائها دون أن تسمح لها بإعادة تشكيل صورة الاستقرار.
دمياط فى معادلة الأمن الاقتصادى المصرى:
إن القيمة الاستراتيجية لميناء دمياط لا تنبع من موقعه الجغرافى وحده، وإنما من دوره المتنامى فى منظومة التجارة والخدمات اللوجستية والطاقة. فقد استثمرت الدولة المصرية خلال السنوات الأخيرة فى تطوير الموانئ وربطها بشبكات الطرق والسكك الحديدية والمناطق الصناعية، بما جعلها جزءاً من رؤية أوسع لتعزيز مكانة مصر كمركز إقليمى للنقل والتجارة. ومن الطبيعى أن يؤدى ارتفاع القيمة الاقتصادية لأى منشأة إلى ارتفاع أهميتها الاستراتيجية، وهذه قاعدة لا تخص مصر وحدها، بل تنطبق على جميع الدول التى تمتلك موانئ مؤثرة فى حركة التجارة الدولية. فكلما تعاظمت أهمية الأصل الاقتصادى، ازدادت الحاجة إلى تطوير منظومات حمايته، لأن الحفاظ على استمرارية العمل فيه لم يعد شأناً اقتصادياً فحسب، بل أصبح عنصراً من عناصر القوة الوطنية. ومن هنا، فإن القراءة الرصينة لما جرى فى دمياط لا ينبغى أن تنطلق من منطق القلق ولا من منطق التقليل من الحدث، بل من منطق التعلم. فالدول الكبرى بنت خبراتها من خلال مراجعة الأزمات وتحويل كل اختبار إلى فرصة لتطوير الإجراءات وتعزيز التنسيق ورفع كفاءة منظومات الحماية والاستجابة.
ولعل هذا هو الدرس الأهم، فالتحديات لا تختبر فقط كفاءة الأجهزة الأمنية، وإنما تختبر أيضاً قدرة مؤسسات الدولة على العمل فى إطار واحد يجمع بين سرعة القرار ودقة المعلومات ووضوح الاتصال واستمرار النشاط الاقتصادى دون اهتزاز.
وفى تقديرى، فإن ما جرى فى دمياط يجب أن يُنظر إليه باعتباره فرصة لمواصلة تطوير منظومة الأمن الشامل للموانئ المصرية وتعزيز التكامل بين الجوانب الأمنية والفنية والتكنولوجية، بما يواكب طبيعة التهديدات المتغيرة، ويؤكد أن حماية البنية التحتية الحيوية لم تعد مهمة قطاع بعينه، وإنما مسؤولية دولة بأكملها.
ما بعد دمياط.. كيف تُدار الدولة فى عصر الحروب غير التقليدية؟
إن أخطر ما تكشفه الأزمات ليس حجم الخسائر، وإنما طبيعة التحديات التى تنتظر الدول فى المستقبل. فالحدث، مهما بلغت أهميته، يظل محدوداً بزمنه، أما الدرس المستفاد منه فقد يغير طريقة التفكير لعقود قادمة. ومن هذا المنطلق، فإن ما شهده ميناء دمياط يجب أن يُنظر إليه باعتباره مناسبة لإعادة تقييم مفهوم الأمن القومى فى صورته الحديثة، حيث لم تعد الحدود الجغرافية وحدها هى خط الدفاع الأول، بل أصبحت الموانئ ومنشآت الطاقة وشبكات الاتصالات ومراكز البيانات والبنية الرقمية جميعها تشكل خطوط دفاع متقدمة عن الدولة، لا تقل أهمية عن أى تشكيل عسكرى. لقد أثبتت الخبرات الدولية أن الدول التى استطاعت الحفاظ على مكانتها لم تكن تلك التى لم تتعرض للتهديد، وإنما تلك التى امتلكت القدرة على التعلم السريع واستيعاب الصدمات وتحويل كل أزمة إلى فرصة لتطوير مؤسساتها.
وفى هذا السياق، فإن بناء منظومة متكاملة لحماية البنية التحتية الحيوية لم يعد خياراً تنظيمياً، بل أصبح ضرورة استراتيجية تفرضها طبيعة البيئة الأمنية الجديدة. ولا يقل أهمية عن ذلك استمرار الاستثمار فى التكنولوجيا وتطوير قدرات الرصد والإنذار المبكر وتكامل قواعد البيانات وتعزيز التنسيق بين المؤسسات المعنية، بما يحقق سرعة الاستجابة ودقة القرار فى اللحظات الحرجة. فالحروب الحديثة لا تمنح خصومها الوقت الكافى لإعادة ترتيب الأوراق، وإنما تفرض عليهم أن يكونوا مستعدين قبل وقوع الحدث لا بعده.
الدروس المستفادة لصانع القرار:
إن القراءة الهادئة لما حدث تقود، فى تقديرى، إلى مجموعة من الدروس الاستراتيجية التى تستحق أن تؤخذ فى الاعتبار عند تطوير سياسات الأمن القومى خلال المرحلة المقبلة، على النحو التالى:
١- التعامل مع أمن الموانئ باعتباره جزءاً من منظومة الأمن القومى الشامل، وليس مجرد ملف تشغيل أو إدارة مرفقية.
٢- الاستمرار فى تحديث أنظمة الكشف والإنذار والتعامل مع الطائرات المسيّرة والتهديدات غير التقليدية، مع مراعاة التكامل بين الوسائل التقنية والإجراءات التنظيمية.
٣- تعزيز التنسيق المؤسسى بين الجهات الأمنية والوزارات الاقتصادية، بما يضمن سرعة تبادل المعلومات واتخاذ القرار.
٤- إجراء مراجعات دورية لخطط حماية الموانئ والمنشآت الحيوية، وتنفيذ تدريبات تحاكى سيناريوهات التهديدات الحديثة، بما يرفع من جاهزية مختلف الأجهزة.
٥- تطوير منظومة الاتصال أثناء الأزمات، بما يضمن وصول المعلومات الدقيقة فى توقيت مناسب، ويحد من تأثير الشائعات التى قد تستهدف ثقة الرأى العام.
٦- تعميق التعاون الإقليمى والدولى فى مجالات أمن الملاحة وتبادل الخبرات الفنية، والاستفادة من أفضل الممارسات العالمية فى حماية البنية التحتية البحرية.
٧- مواصلة الاستثمار فى تطوير الموانئ المصرية، بحيث يتزامن النمو الاقتصادى مع رفع مستويات الحماية والجاهزية، لأن الأمن والتنمية لم يعودا مسارين منفصلين، بل وجهين لاستراتيجية واحدة.
فى النهاية، ليست قوة الدول فى أنها لا تواجه التحديات، فذلك أمر لم يتحقق عبر التاريخ لأى دولة، وإنما تكمن قوتها فى قدرتها على استيعاب المتغيرات وقراءة رسائلها مبكراً وتحويلها إلى دافع لتطوير السياسات وتعزيز الكفاءة. إن ما جرى فى دمياط، أياً تكن النتائج النهائية للتحقيقات بشأن الجهة المنفذة، يعكس حقيقة باتت راسخة فى عالم اليوم، وهى أن المنافسة بين الدول لم تعد تُدار فقط فى ميادين القتال، وإنما تمتد إلى الاقتصاد والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد والموانئ والبنية التحتية الحيوية. وإذا كان القرن الماضى قد انشغل بحماية الحدود، فإن القرن الحادى والعشرين يفرض على الدول أن تحمى مفاتيح اقتصادها ومصادر طاقتها وشبكاتها الحيوية، لأن السيادة لم تعد تُقاس فقط بما تملكه الدولة من قوة عسكرية، بل بما تمتلكه من قدرة على ضمان استمرارية مؤسساتها وصون ثقة المجتمع فى كفاءتها والحفاظ على مكانتها فى عالم تتسارع فيه التحولات بوتيرة غير مسبوقة. ولهذا، فإن القيمة الحقيقية لما حدث لا تكمن فى الحدث ذاته، بل فى الطريقة التى نستخلص بها دروسه. فالأمم التى تحسن قراءة التحولات قبل أن تتحول إلى أزمات هى وحدها التى تستطيع أن تصنع مستقبلها بثقة، وأن تظل قادرة على حماية أمنها القومى مهما تبدلت أدوات الصراع أو تغيرت خرائط القوة فى العالم.
اقرأ أيضا – لواء أحمد زغلول مهران يكتب: القوة التي لا تُرى.. كيف تُصنع القرارات الكبرى بعيدًا عن الأضواء؟



